سلالتك...هل تحدد صفاتك

لا أقول هنا سوى وجهة نظري البسيطة، منذ كنت صغيرا كانت هناك مصطلحات تقسم البشر من حولي، هناك ناس شرفاء يسمون( أصول )وهناك آخرين يسمون( أبعام )والذي عاش في المجتمع القبلي يفهم جيدا مامعنى هذه المصطلحات، ورغم ان هذه تعتبر طبقية إلا أنني رأيت إندماجا بين الطبقتين، ليس اندماجا كاملا فالزواج ممن نسميهم أبعام يعتبر وصمة عار في جبين الأصول ويلحق العار بالزوج وقبيلته اما مادون ذلك فلا تكاد تفرق بين الحقوق الممنوحة للطرفين، أنا والحمد لله نشأت في أسرة متدينه جدا لا ترى أننا افضل من أي مخلوق لمجرد أننا ننحدر من سلالة معينة ولا تفاضل إلا بالتقوى، لكن خارج نطاق العائلة رأيت والد أحد أصدقائي يهدد صديقي هذا بالقتل لمجرد انه اراد التقدم لخطبة فتاة من إسرة تنتمي للأبعام كما يسمون ، كنت أمقت هذا التصرف بشدة وارى في ذلك عنصرية قبيحة ومع تبنيي لهذا الرأي واجهت معارضات كثيرة من عدة ناس لكن ما اثر فيني هو جواب أحد شيوخنا الكبار ويعتبر مرجعا لنا في الحكمة ودائما ما كانت ارائه فذة ونصائحة مفيدة جدا جدا ،فقررت ان أساله عن هذه المعضلة فربما يتفق مع رأيي، لكنه اجابني بأجابة خطيرة جدا حيث قال لي (يا ولدي والله ما بنكرههم ،هيذاكم قدامك سايرهم وبعدين أحكم ) اي انه نصحني بتجربة عشرتهم والحكم بعد ذلك ما ان كان هذا التقسيم ضروريا ام لا ، وبالفعل اتخذت هذا القرار ، ولم يلمني احد من قبيلتي على ذلك اذ انه كما ذكرت لكم انهم ليسوا منبوذين او انه تحرم عشرتهم، لكن الامر يظل طبقيا ، فصحبت عددا كبيرا منهم وللأمانة فقد وجدت عددا كبيرا منهم مخيبا للآمال بشكل مخيف ، كنت أسأل نفسي بعد كل تجربة هل هم حقا كذلك ام انني اصبحت اتقنص عيوبهم واكبر اخطائهم وان عقلي قد برمج على ذلك ، وكنت اسأل نفسي اليس الشخص السيئ موجود في كل القبائل بمختلف الطبقات لكن نتائج التجارب كانت تجبني بأنه صحيح ان هناك أشخاص سيئين من كل الطبقات لكن نسبة الاشخاص هي ما تحدد فالنسبة مرتفعة بشكل مخيف في هؤلاء القوم. المهم بعد تجاربي العديدة و صراعي مع العواطف ومحاولتي الحثيثة في حل هذة المعضلة استخلصت التالي: السيئين موجودين في كل مكان والجيدين كذلك ، وان الدين وحده قادر على كبح جماح الأنسان وجعله لا بتأثر بعرقه ، أي انه اذا نزعنا الدين من كلا الطبقتين فستظهر آثار السلالات و النوازع الموجودة في كل عرق ، وبالتالي ستظهر النسبة بوضوح أكبر في من يسمون الأبعام،

لم يكن ما توصلت اليه مرضيا فانا لازلت ارى ان هذا التقسيم مجحف بحقهم ، كدت استسلم للامر لكنني ذات يوم رأيت احد النساء من الاسر الشريفة تحاول اطعام صغيرها الذي يرفض ان ياكل فما كان منها الا ان استخدمت الحيلة وجعلت الاطفال الاكبر منه سنا مرصوصين بجانبه في صف ثم بدأت تتصنع اطعامهم والذين بدورهم تصنعوا قبول الطعام ومضغه ولما وصل الدور الى هذا الصغير قبل الطعام و اكل بكل سلاسة، وبعدها بأسابيع جائت جارتنا الى منزلنا كضيفة وهي احدى نساء الابعام وكان صغيرها ايضا يرفض الأكل فما كان منها الا ان استخدمت الحيلة ايضا لكن حيلتها كانت مختلفة فقد امسكت بالطعام وكانها تخفيه بين يديها ثم التفتت الينا وقالت لن اسمح لكم بأكله هذا طعام ولدي وقدمت الطعام اليه مجددا فما كان منه الا ان اكل مفزوعا من ان ناكل طعامه كان الجميع من حولي يضحكون من ذكاء هذه المرأة ، اما انا فقد وقفت مندهشا اذ انني عثرت على الاجابة (الصفات السيئة لدى الابعام ليست متوارثة كما نظن بل هي ناتجه عن التربية التي يتلقونا في صغرهم، فبينما اطعمت تلك المرأة الشريفة ولدها بأن جعلته جزء من مجموعة تتقاسم الأكل ، قامت هذه المرأة باطعام ولدها بتلك الحيلة التي ستغرس في ذهنه ان من حوله يشكلون خطرا عليه ويريدون اخذ ما هو حق له )

ولأننا جعلناهم محصورين فيما بينهم من حيث الزواج فقد توارثوا هذه الاساليب في التربية والتي بلا شك ستجعلهم يكبرون بنفسيات إنتهازية. ولو خالطناهم لنقلنا اليهم اساليبنا وربما تغيروا .

رجعت الى شيخ قبيلتنا واخبرته بما توصلت اليه، فما كان منه إلا ان أذهل بما قلته ووافقني تماما ، فهل تتفقون ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أتفق مع الفكرة الأساسية التي وصلتَ إليها، وهي أن كثيرًا من الصفات والسلوكيات التي تُنسب إلى طبقة أو فئة معينة لا يمكن تفسيرها على أنها صفات متوارثة أو مرتبطة بالأصل، بل هي في الغالب نتيجة طبيعة للبيئة والتربية والظروف الاجتماعية المتشابهة التي يعيشها أفراد هذه الفئة عبر الأجيال. لذلك فإن التعميم على أساس الانتماء وحده غالبًا ما يكون غير دقيق، لأنه يتجاهل الفروق الفردية وتأثير التربية المباشرة. وما وصفته من اختلاف أساليب التربية يوضح أن السلوك الإنساني يُصاغ داخل البيئة أكثر مما يُورث بيولوجيًا. فالتنشئة التي تقوم على الثقة والتعاون تنتج أفرادًا أكثر استقرارًا، بينما البيئات التي يغلب عليها الخوف أو الإقصاء قد تفرز أنماطًا سلوكية دفاعية أو سلبية. وبالتالي فإن فهم السلوك الإنساني بشكل عادل يتطلب النظر إلى الظروف الاجتماعية والتربوية بدلًا من ربطه بالأصل أو السلالة.

كلامك أصابني بالقشعريرة وأقول لك بصدق إن في قلبك رحمة ولينا وفي عقلك تفكرا وتأملا وهذا الخليط أنتج إنسانا سويا وناضجا بارك الله فيك.

لقد مررت بمواقف مشابهة لما ذكرته ولكن باختلاف المسميات. في بلدي توجد مناطق نطلق عليها العشوائيات يخرج منها أشخاص يصفهم البعض بكلمات مثل السرسجية وتجد دائما من هم في طبقة اقتصادية أو اجتماعية أفضل يحتقرونهم بشدة بداية من ملبسهم وطريقة حديثهم وحتى عاداتهم اليومية.

كان لي صديق يكثر من سبهم وانتقاد أفعالهم باستمرار لكنني كنت أنظر للأمر دائما من زاوية مختلفة وأسأل نفسي ماذا لو ولدنا نحن في نفس ظروفهم ألن نصبح مثلهم تماما. أليس من الظلم البين أن نحكم على بشر لمجرد ولادتهم في بيئات قاسية شكلت وعيهم بهذا الشكل في حين أننا لو تواجدنا في نفس البيئة لاكتسبنا نفس الطباع التي نراها اليوم منفرة.

من غير المنطقي أن ننتظر من طفل ولد في بيئة مليئة بالسباب واضطر للعمل ومواجهة الشارع منذ صغره أن يمتلك نفس طباع طفل آخر ولد في أسرة مستقرة وفرت له كل سبل التربية السليمة والحياة الكريمة.

كيف نحتقر إنسانا لم يختر بيئته ولا طبقته الاجتماعية وخرج للدنيا طفلا بريئا لا يعلم شيئا. أليس من الأفضل بدلا من احتقارهم وتمني الخلاص منهم أن نوجه هذا المجهود لمحاولة إصلاح البيئات التي أخرجتهم بهذا الشكل.

وفيك بارك الله ،والله يسعدني جدا ان أتشرف بهذا الإطراء من شخص ظللت اتابع مقالاته من بداية تعرفي عليه ، والله كنت ادعو لك عند ما اقراء مقالاتك التي كان للدين حضورا قويا فيها ،وفقك الله وأعانك على إنجاز خدمتك العسكرية بكل يسر وتوفيق.

أشكرك أخي عبد المجيد على كلماتك الطيبة أعانني الله وأعانك يا رب شرف كبير لي متابعتك لمقالاتي وأتمنى لك كل التوفيق والنجاح والسعادة في حياتك إن شاء الله.