الاستخلاف

إن أغرب ما يقوم به الملوك قبل موتهم هو الانشغال بالتمهيد لولايه العرش لأبنائهم من بعدهم وكأنهم يظنون أنهم بعد الموت سيكون لهذا اهمية وهم مقبلون على الآخرة.

ان المرء بعد موته لا يفكر إلا بما يخدم اخرته ولحظة الوقوف بين يدي خالقه وفي تلك اللحظة لن يقول (يا ترى من جلس على العرش ومن بعدي ؟هل تمكن ولدي من ان يكون ملكا كما خططت له؟ ام ان اخوته ام ابناء عمومته قد غلبوا على العرش؟ أم أن الملك قد سقط من بعدي؟ أم أن كذا وكذا؟) بل سيكون همه وكل تفكيره بأعماله التي ستضاف الى كفة الميزان.

ان اعظم كلمه قيلت في موضوع الاستخلاف هي قول الصديق أبي بكر عندما تذمر بعض الصحابة من اختيار أبو بكر لعمر بن الخطاب كخليفة من بعده. فكان رد أبو بكر (قوموني قوموني أبالله تخوّفونني؟! أقول لربي إذا لقيته: استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك) فحول أبو بكر بذلك قضية الاستخلاف من عمل دنيوي لا يهم صاحبه في ساعة الحساب الى عمل يضيف ثقلا لكفة الميزان ويرفعه درجات في أعلى جنان..

إذا كنت غير قادر على الاستفادة من ملك بعد الموت ولا يكتب شرف الملك في كتاب عمل ابن آدم فاعتبر بقصة سليمان بن عبد الملك الذي آثر على تولية القوي الأمين من بعده وهو عمر بن عبد العزيز رغم أنه لم يكن في خط ولاية العرش ولا حتى في آخره بل كان غير محسوب على عرش بني امية أبداً .

ولكن سليمان بن عبد الملك فكر في لحظة الوقوف بين يدي الرحمن وسؤال الله له عن من أستخلف من بعده على شؤون المسلمين فوجد أنه الأجدى له أن يسمي الرجل الصالح الغيور على مصالح الأمة بدلا من أن يسوق العرش لمن لا يتقي الله بالمسلمين.

كم نحتاج في زماننا هذا لحكام يعتبرون بعمل الصديق وسليمان بن عبد الملك و يستخلفون من بعدهم القوي الأمين بدلا من ولد لا يغني عنه شيئا في ساعة الحساب

....


على حسب نية الملك؛ هل يستخلف ولده لأنه يريد استمرار نسله بالحكم فقط، أم لأن هذا الأصلح للرعية.

وربما من الأفضل ترك اختيار الحاكم للناس أو الشعب ليولوا عليهم من يرون فيه الصلاح، ومن سيكون الأفضل لرعايتهم وتمثيلهم بالحكم، بدلًا من فرض شخص بعينه عليهم.

كلامك صحيح وقولك حق.. وهو ما يسمى في ديننا الحنيف الشورى.. ولو اتبعوا الناس الشورى وخاصه من هم في موقع السلطه لكان خيرا للناس وللاسلام والمسلمين. وخيرا له هو نفسه .فإلى أين يذهب من سؤال الله له يوم القيامه؟

بهذا الشكل سهام سيتحول الحكم الملكي لحكم جمهوري لكن حتى هذا لا يضمن أن الحاكم الذي سيختاره الشعب سيكون صالح ويعمل لمصلحة الناس الكثير يرتدي الأقناعة ومن الصعب معرفة حقيقة الناس

وهذا المطلوب، ألا يصل أحد للحكم فقط لأنه ولد بعائلة معينة وليس لأنه مناسب للحكم.

على الأقل سيكون هذا اختيار الناس، بدلًا من أن يتم فرضه عليهم، وكما ولوه الحكم يمكنهم خلعه إذا لم يعمل لمصلحتهم.

ليس كل من يختاره الناس هو مناسب للحكم ولا يمكن للناس أن يختاروا شخص اليوم ويخلعوه بعد فترة لأنه لم يعجبهم، فهكذا تثور الفوضى لأن نصف الشعب يريد رحيله ونصفه يود بقاءه فنادراً ما يجتمع كل الشعب على كلمة واحدة.

يا سيدي قولك حق . ولكنني لم اكن اعني أن يختار الناس. فليس كل الناس أهلاً للأختيار. بل كنت اعني أن يختار ولي الأمر (أي الحاكم) من يخلفه من بعده. كما فعل أبو بكر و سليمان

وما الحل برأيك يا د. چورچ؟

فحتى لو اختارت الأغلبية شخصًا، على الباقين احترام قرارهم، كما أنه يجب أن تكون هناك شروطًا لمن يمكنه الاختيار أو حق الاقتراع منذ البداية.

الحل في وجود دستور قوي يعمل كنظام من أجل مصلحة الأغلبية فيأتي الحاكم ويرحل وهو له حدود معينة ليس من حقه تخطيها ولا تعديلها.

مثلاً في الولايات المتحدة لا يجلس أحد في موضع الحكم لفترة طويلة، وفي النرويج عندما اكتشفوا حقول البترول فتحوا فوراً حساب اسمه "صندوق التقاعد الحكومي النرويجي" فلم يتم إنفاق أموال البترول ولا توزيعها بل تم ادخارها للأجيال القادمة. وتوجد هناك معارضة وحساب حقيقي للمسؤولين.

وهل ما يفعله ترامب ومن سبقه من رؤساء للولايات المتحدة دليلًا على ما تقول من وجود دستور قوي وخلافه؟ هم يطوعون القوانين لخدمتهم ويتلاعبون بها أو حتى يتجاهلونها وقت الحاجة، والحرب الأخيرة على إيران خير دليل.

لو فكرنا سنجد أن الولايات المتحدة أقامت الدنيا وأقعدتها ولم تخسر شيء من بنيتها الأساسية ولا خسرت عدد جنود يحسب له حساب، وفي النهاية ترمب سيذهب ولن يأتي مرة أخرى.

قولك صحيح ، و لكن ما شأنه في حديثنا عن الاستخلاف؟

هذا رد على تعليق سهام أنها قالت أن الدستور القوي لا يكفي لاختيار الحكام مثل الولايات المتحدة التي أتت بترامب فتسبب في الحرب، فقلت لها قد يكون تسبب في حرب لكن لم يخسر منها شيء.

لا بأس بقولك استاذ جورج . ولكن زكرت سابقاً أنه ليس كل الناس مؤهلين بمعرفة الحاكم الصحيح و الأكثر كفاءة لترشيحه و انتخابه.

و عليه يجب ان يكون الحاكم التالي منتخب من نخبة المجتمع و يختاره الأخرون ولا يرشح نفسه.

فدول العالم متخمة بمرشحين يقدمون انفسهم كمثال ممتاز لحكم البلد و ما ان يجلسوا على الكرسي حتى يظهر عكس ذلك.

ولكن عندما يختار الحاكم الحكيم خليفته من بعده بنفسه. بشرط ان يكون القوي الأمين -و هو عالم انه مقبل على مرحلة جديدة من حياته بعد هذه الدنيا الفانية- فلن يختار سوى يراه كفؤ و قادر على حمل اعباء الحكم من بعده. و ذلك ببساطة لأنه اعلم برجال نخبة المجتمع و نوعياتهم من علمة الناس. ولكن لو سألنا الناس من تريدون لاختاروا من يرشح نفسه فقط. و هنا نقع فيما يقع به بقية العالم...

ولكن إذا كان لابد من انتخابات. فالأسلم حسب رأيي هو ان يرشح الحاكم عظة اسماء ذات كفاءة و قدرة على استلام هذا المنصب من بعده. و تطرح هذه الأسماء على الناس لينتخبوا منها. و بهذا يضمن الناس انهم انتخبوا من هو امين على مصالحهم بحق و ليس من يتدعي نفاقاً..

لا يوجد ما يضمن أن يقوم الحاكم بانتخاب الشخص الصحيح سوى أن يكون الحاكم لديه ضمير حي، لكن لكي نأمل في ذلك سنحتاج معجزة. إحصائياً شرط أن الحاكم لديه ضمير لا يمكن أن يتحقق كل مرة، وبالتالي النتيجة لن تكون مضمونة أن يختار الحاكم خليفته.

لا يحتاج الأمر لمعجازات لو ان الحاكم احاط نفسه ببطانة حكم جيدة تخشى الله. تعينه و تنصحه و ينتقي منها الحاكم التالي.

و هذا لا يحتاج لمعجزة إلا إن تفرَّد الحاكم برأيه و عزف عن الشورى.

سأخبرك لماذا هي معجزة: لأن الإنسان يرى دائماً بعين طبعه ويرى بعين عواطفه، فالحاكم اللين سوف يرى أن الرجل اللين من بطانته هو الأصلح للحكم رغم أن لينه قد يضيع البلاد.

وكذلك لن يختار حاكم شخص صالح للحكم لو كان على خلاف معه فهو كإنسان اختياره غير منزع من العواطف وسوف يختار فقط ممن يشعر بالقرب والدعم منهم وهذا سيدخلنا في معضلة أن يتم اختيار حكام يكررون نفس الأخطاء طالما لن يتم اختيار شخص من المعارضة مثلاً أو كان بينه وبين الحاكم نزاع على نقاط إدارية.

هذا غير صحيح. فأبو بحر لم يكن بصلابة عمر و مع هذا استخلف عمر من بعده.

ولكنك الآن بكل الاحوال تبتعد عن فحوى مقالي الذي نشرته.

انا لم اقل ان حكام العالم ملائكة و يجب ان يختاروا الحاكم المثالي من بعدهم.

انا كنت اشير إلى ما يجب على الحاكم ان يفكر به ليصلح اخرته و يعدل ميزانه.

وانا لم اكن اقول أن هذا الأمر يمكن تطبيقه على الجميع. و انما يطبقه من يجد في نفسه الصلاح و الرغبة في إرضاء الله و ترجيح كفة حسناته في يوم الحساب ..

ولم اكن اتدعي أن كل الحكام قادرين على هذا. وانت تجادلني و كأنني اتدعيته

اعتذر سيدتي . ولكنك لو دققتي بكلامي جيدا لعلمتي انني لا اتكلم عن الحكم الجمهوري. و إنما عن الشورى في الاستخلاف. سواء كان جمهوري أو برلماني أو كومنولث او أميري أو حتى ملكي. فحتى في الحكم الملكي يسعى الملك دائما لتوريث الحكم لولده . رغم أن في افراد هائلته من هو مؤهل أكثر من ولده. و أحيانا يكون في الأقارب الأباعد من هو الأجدر كما كان عمر بن عبد العزيز. وهو أموي النسب ولكنه لم يكن ضمن سلسلة ولاية العهد.