صوت داخلي....

تُعدّ مسألة “الفطرة” من الأسئلة التي حيّرت الإنسان منذ زمن طويل:

هل نولد ونحن نعرف الخير؟ أم نتعلمه؟ أم أننا صفحة بيضاء تكتبها الحياة كما تشاء؟ هذا السؤال ليس فلسفيًا فقط… بل هو سؤال يعيشه كل إنسان في داخله، في كل مرة يحتار فيها بين ما يشعر أنه “صحيح” وما يراه حوله. حين حاولت الفلسفة القديمة فهم الإنسان، قدّم أفلاطون تصورًا قريبًا جدًا مما نشعر به دون أن ننتبه. قال إن داخل كل إنسان ثلاثة أصوات:

صوت يفكر ويبحث عن الصح… وهذا هو العقل،

وصوت يغضب وينفعل ويدافع… وهذه هي العاطفة،

وصوت يشتهي ويريد ويطلب… وهذه هي الرغبات.

ولو تأملت نفسك قليلًا، ستجد هذه الأصوات الثلاثة تتحاور داخلك يوميًا: حين تريد أن تقول كلمة قاسية… لكن شيئًا فيك يمنعك، حين تشتهي شيئًا تعرف أنه ليس مناسبًا… لكنك تتردد، حين تغضب… ثم تندم بعد أن تهدأ. هذا الصراع ليس ضعفًا… بل دليل على أن في داخلك نظامًا، توازنًا، فطرة تحاول أن تبقيك في الطريق الصحيح. يرى أفلاطون أن الإنسان لا يتعلم كل شيء من الخارج، بل كأنه “يتذكر”. كم مرة شعرت أن شيئًا ما “صح” دون أن يشرحه لك أحد؟ كم مرة ضايقك تصرف، ليس لأنك تعلمت أنه خطأ… بل لأنك شعرت أنه لا يشبهك؟ كأن الحقيقة مألوفة في داخلك… وكأن قلبك يعرف الطريق، حتى قبل أن يخبرك أحد به. أما أرسطو، فجاء بنظرة أقرب للحياة اليومية، أكثر التصاقًا بما نعيشه ونراه. لم ينكر أن في الإنسان استعدادًا داخليًا، لكنه أشار إلى حقيقة مهمة: هذا الاستعداد وحده لا يكفي.

فالإنسان لا يصبح صادقًا لأنه يعرف الصدق فقط… بل لأنه يختار أن يكون صادقًا، مرة بعد مرة، حتى يصبح الصدق جزءًا من طبيعته. ولا يصبح رحيمًا لأنه يشعر بالرحمة… بل لأنه يُترجم هذا الشعور إلى أفعال، إلى مواقف، إلى قرارات قد تكون صعبة أحيانًا. فالفرق بين ما نشعر به، وما نصبح عليه… هو ما نكرّره.....

تخيّل طفلًا: في داخله ميل فطري للطف والعطف، يقترب من الآخرين، يتأثر بهم … إن نشأ في بيئة قاسية، تُكافئ القوة وتُهمّش اللين، فقد يتعلّم أن يخفي هذا العطف، أو حتى أن يستبدله بالقسوة ليحمي نفسه. وفي داخله حب للصدق، يقول الحقيقة ببساطة، دون خوف أو حسابات… لكن إن اعتاد أن يرى الكذب وسيلة للنجاة، أو طريقًا للقبول، فقد يبدأ تدريجيًا بالتنازل، حتى يصبح الكذب أمرًا عاديًا، لا يوقظ داخله ذلك الشعور الأول بالخطأ، وهنا يحدث التحوّل الصامت…ليس لأن الفطرة اختفت، بل لأنها لم تُغذَّ، ولم تُحمَ، ولم تجد ما يعززها. فالإنسان لا يتغيّر فجأة، بل يتشكّل ببطء…كل موقف يتنازل فيه، كل مرة يتجاهل فيها صوته الداخلي، كل مرة يختار الأسهل بدل الأصح… يترك أثرًا صغيرًا، يتراكم مع الوقت، حتى يُعيد تشكيله من الداخل. وهنا تتضح الصورة أكثر: الإنسان ليس خيرًا مطلقًا… ولا شريرًا مطلقًا، بل يحمل في داخله بذور الاتجاهين، والذي يُسقى منها… هو الذي ينمو، والذي يُهمَل… يذبل، حتى يكاد يُنسى.

لاحقًا، تطوّر النقاش حول طبيعة الفطرة، وأصبح أكثر وضوحًا وتباينًا. جاء الفيلسوف والكاتب الفرنسي جان جاك روسو. كان له تأثير كبير على الفكر الإنساني، جاء برؤية تحمل بُعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ رأى أن الإنسان يولد خيّرًا بطبعه، وأن الفطرة في أصلها نقية وسليمة، تميل إلى التعاطف والبساطة والتعاون. لكنه في الوقت ذاته أشار إلى أن هذه الفطرة لا تبقى كما هي دائمًا، بل قد تتعرض للتشويه تحت تأثير البيئة المحيطة، بما تحمله من تعقيد وضغوط ومقارنات. وبهذا المعنى، يلتقي روسو مع أفلاطون وأرسطو في فكرة أن داخل الإنسان شيئًا أصيلًا، ليس مكتسبًا بالكامل من الخارج. فأفلاطون تحدّث عن معرفة كامنة في النفس، وعن خير داخلي يحتاج إلى أن يُستعاد ويُستيقظ، وأرسطو رأى أن الإنسان يحمل استعدادًا فطريًا يمكن أن ينمو ويتشكل عبر التربية والعادة.