تقوم الحضارات في أصلها على التكاتف، ولا تجد الصداقة معناها الحقيقي إلا في التعاون، كما لا تعبر الأخوة عن جوهرها إلا بـالوفاء وإحقاق الحق.
غير أن لله في عباده شؤوناً وحكمة تجري وفق ما تنطوي عليه سرائرهم؛ فترى من البشر من تشتد بينهم العداوة لغير سبب، ومنهم من يتطاول على من هو أكبر منه قدراً لغير داعي، ومنهم من يستأسد ويفجر في خصومته مع من هو أضعف منه.
آفة المجتمع: الخذلان بأسماء براقة
إن من أشد أنواع الفساد الأخلاقي التي تفتك بالمجتمعات هي فاشية الخذلان، ثُم تُغلف بـمسميات براقة وتبريرات واهية تمنح الجبن رداء الحكمة.
إن خذلان الحق الواضح جريمة نكراء، ويشتد الجُرم حين تتعدد الروابط والأواصر، عند وضوح الحق وتكشف الحقائق.
ماهية الخذلان: وجع التغييب والاستضعاف
الخذلان ليس مجرد غياب للدعم، بل هو:
أن تجهل ما يجب أن تعلمه.
وأن تُوضع في غير موضعك.
أن تُستضعف في قمة قوتك، وتُحمَّل ما لا تطيق في لحظات هوانك وضعفك.
أن تُنسب لك قوةٌ وهمية لا تملكها (للتخلي عنك)، وتُوصف بعجزٍ لا تعرفه (لتحطيمك).
إن قمة الخذلان هي أن تُعامل على غير حالك، أو على غير حقيقتك.
أن الخذلان ليس جرعة فردية خاصة، بل جائحة تتعرض له شعوب بأكملها، وطوائف بمختلف أشكالها، وتتجرع مراراته أمم بأسرها، لكنه قد تظهر لها مصادر فردية، ثم ثقافة اجتماعية، حتى يصبح نهج قائم يمشي بين الناس، يختبئون خلفه ويكادوا أن يتجرعوه.