في الحياة اليومية وصخبها يعيش الإنسان غالبًا في حالة اندفاع مُستمر نحو الحاحة والإشباع إشباع الجسد، وإشباع الرغبات، وإشباع الحاجة إلى السرعة والإنجاز والتملك ومسابقة الحدث، ومع مرور الوقت تصبح النفس تلقائيًا معتادة على الإستجابة الفورية لكل رغبة، حتى تفقد قدرتها على الصبر وحرية الإختيار، وهُنا يأتي شهر رمضان كنوع من إعادة ضبط الوعي لكل ماهو متعلق بالحاجيات الجسدية والروحية، إذ يضع بين الإنسان ورغباته مسافة زمنية، وهذه المسافة الصغيرة هي في حقيقتها مساحة كبيرة للحرية، لنزع التهذيب من بين شتات جم.
في جوهر هذا الشهر الفضيل إستعادة للسيطرة والإتزان حيث يُثبت للإنسان حقيقة مهمة أنه قادر على التغيير.
فإذا خرج منه بإرادة أقوى وقلب أهدأ ووعي أعمق، فقد تحقق المقصود، وكل هذا لا يتم إلا بشحن الروح بتجليات الإيمان الخالصة التي هي خلاصة القصد في فضائل هذا الشهر بدء من الصوم والقيام والتنزه حتى الوصول إلى رحلة الإيمان الخالصة لله تعالى.
ولأن تهذيب النفس في النهاية، ليس أن تصبح شخصًا آخر يتباهى بحالات وشكليات العبادات الظاهرة، بل أن تعود إلى أفضل ما فيك، إلى روحك النقية، وسريرتك الفطرية.
خارج السياق:
تركيبة الإنسان تتوقف مؤقتًا عن الإستجابة المُستمرة لكل ما يطلبه جسده وعاداته في الأيام العادية، تمتلئ ساعاتنا بسلسلة من الإشباعات الصغيرة طعام عند الجوع، وهاتف عند الملل، حديث عند الصمت، وإنشغال دائم بين متاهات الحياة يحمينا - دون أن نشعر - من مواجهة أنفسنا.
وفي أوج هذا الصخب يأتي الصوم يمنع هذا التدفق المتواصل فجأة تظهر لنا لحظات فراغ، ولحظات صمت، ولحظات إنتظار، وهذه اللحظات لا ينظر لها أنها مُجرد فترات زمنية عابرة، هي مساحات نفسية ينكشف فيها ما كان مخفيًا تحت طبقات العادة والإنشغال المُستمر.
يأتي شهر رمضان كمخلص لذواتنا من ثقل سنة كاملة يذكرنا صومه بأن هُناك حالات تأمل أقرب أن تكون فلسفية، فحين نصوم نحن أمام مونولوج داخلي يشرح المعنى الأصح والأعمق للصوم، لا أعتباره فقط أمتناع عن الطعام والبُعد عن جوارحه، بل هو حالة اعمق حين يذكر الإنسان بأن داخله أنواعًا أخرى من الجوع، جوع للطمأنينة، وجوع للمعنى، وجوع للتوازن، وجوع للعلم ، وجوع للزهد والتقوى، وعندما يشعر بهذا النقص يبدأ في إعادة ترتيب أولوياته، لا بدافع الشعور بالذنب، بل بدافع الفهم الأعمق.
لذلك فإن أعظم ما يقدمه الصوم ليس فقط التعبد الظاهري، أنما فيما يقدمة في اللحظة النادرة هي من الصدق والخلاص مع الذات، لحظة يدرك فيها الإنسان أن مشكلته لم تكن في ضيق الوقت أو ضغط الحياة، أنما في ما كان يعيش خارج نفسه.
ومن يخلص في عبادته وتصرفاته وتنزهه في اخلاقة ورزقه في هذا الشهر الكريم ما تأتي الخاتمة إلا وقد وصل إلى حالة الصفاء وهي ليست كمالًا، أنما وضوح يعرف نقاط ضعفه دون إنكار، ويعرف طريقه دون اضطراب، ويعيش ببساطة أكبر ووعي أعم، وعند هذه المرحلة لا يصبح تهذيب النفس مجهودًا موسميًا يظهر بقدوم شهر رمضان ويختفي برحيله، بل أسلوب حياة مُستمر في الآثر والتأثير حتى إنقضاء الأجل.