العناية الإلهية نظرة تتجاوز النفعية

إنَّ الناظر في الحضارات الإسلامية يجدها حضارات عامرةً بالرفق واللين والبناء، مع اتسامها بالقوةٍ والعزة والفتوحات.

فقد كان البناء الأخلاقي فيها سابقًا للقوة، وموجِّهًا لها، لا نقيضًا عنها.

غير أن المتأمل في كثير من جوانب واقعنا المعاصر يلحظ تحوُّلًا غير حضاري؛ إذ يتم أحياناً تقدير الإنسان والحيوان، والرفق بهما، بميزان المنفعة، وبالقدر الذي يقدِّمان فيه خدمة، أو يحققان رغبةً نفسيةً أو مصلحةً آنيةً مقابل التقدير والاهتمام.

وقد أفضى هذا الفهم المختل إلى إفراغ مفاهيم أخلاقية من معناها الحقيقي، فلم تعد التزامًا ثابتًا، بل صارت مرهونةً بالرغبة والهوى، وبمدى ما تُحدثه من أنسٍ وراحةٍ نفسية.

فكم نجهل قدر الإنسان إذا اعيق مهما كان جماله الأخلاقي، حين نجده يبتلى بتصرفات الإهمال، بينما نهتم بالفائدة، ونبرر أفعال صاحبها، لمجرد امتلاكه قدرةً على الإرضاء أو التأثير أو تحقيق مصالح نفسية للآخرين، بغضِّ النظر عمّا يقترفه من ظلم أو أذى.

وعلى النقيض من هذا التصور القاصر، يقرر الإسلام أن الله تعالى قد جعل لكل إنسانٍ قدرًا، وكرَّم بني آدم في حال قوَّتهم وضعفهم، وصحتهم ومرضهم، ما داموا على أصل التوحيد.

بل إن الشريعة لم تُسقِط الحقوق حتى عمَّن غلب عليه فساده؛ فأوجبت البلاغ باللين، والدعوة بالحكمة، والعطاء تألُّفًا للقلوب.

ورفعت من شأن العاجز والضعيف، وجعلت الرفق بالإنسان الضعيف وبالحيوان من أعظم القُرَب والعبادات.

وقد تجلَّى ذلك في مواقف عظيمة، منها أن امرأةً بغيًّا غُفر لها لأنها سقت كلبًا، وأخرى كُتب عليها دخول النار لأنها حبست هرَّة، «لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض».

وفي هذا بيانٌ جليٌّ أن ميزان الله لا يقوم على القوة ولا الصورة، بل على المسؤولية والعدل والرحمه.

ولم يكن الضعفاء والمبتلون غائبين عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا حاضرين في سيرته، وفي أحاديثه، وفي ذكر الكتاب الحكيم، حيث أُبرز فضلهم ومنزلتهم، وربط الله النصر والرزق بدعائهم وإخلاصهم.

ومن النصوص الواردة في شأنهم:

عن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ قال:

( إنَّما يَنصر الله هذِهِ الأمَّة بضَعيفِها، بدَعوتهم وصلاتهم، وإخلاصهم ) رواه النسائي

وعن أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:

( إنما تُنصرونَ وتُرزقونَ بضعفائكم ) رواه أحمد .

وعن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: مهلا ; فإن الله - تبارك وتعالى - شديد العقاب ، فلولا صبيان رضع ، ورجال ركع ، وبهائم رتع ، صب عليكم العذاب صبا - أو أنزل عليكم العذاب.

رواه البزار، والطبراني في الأوسط.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم." رواه مسلم.

إن من أعظم معايير الحضارة الحقَّة أن يُنظر إلى الإنسان بوصفه إنسانًا، وأن يُعامَل على هذا الأساس، لا وفق أهوائنا، بل وفق ما يرضي ربنا، وبالأسلوب الذي شرعه لعباده نجاة لهم.

ومع هذا كله، ينبغي أن لا نستحضر فضلنا وامتنانا في هذا الباب، بل وجب علينا أن نستذكر أن الفضل كلُّه لله تعالى، وإنما هي فرصة عظيمة بين أيدينا لاستثمارها فيما ينفعنا في الدنيا والآخرة.

ولتحقيق ذلك واقعًا ملموسًا، لا بد من تعزيز بناء الوعي الأخلاقي، وربط القيم بالعبودية لله لا بالمصلحة، وتعزيز ثقافة المسؤولية والرفق والرحمة والعدل في ثقافة الأسرة والمؤسسات والمجتمع، والاهتمام بالضعفاء والمساكين وذوي العجز، ورعاية الحيوانات وما ولينا مسؤوليته بوصفه أمانةً لا سلعة.

كما يجب أن يكون العطاء خاليًا من المنِّ والأذى، واثقين أن النفع الحقيقي يسوقه الله بأقداره، ولطفه الخفي والظاهر، متى صدقت النيات، واستقامت الأعمال.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

ولتحقيق ذلك واقعًا ملموسًا، لا بد من تعزيز بناء الوعي الأخلاقي، وربط القيم بالعبودية لله لا بالمصلحة

ولهذا فالأخلاق النسبية وضعية إلا ما كانت من أصل سماوي وتشريع إلهي. والاخلاق الإنسانية في أصلها خيرة لأنها تقوم على الفطرة السليمة ولكن تنوع البيئات و المواقف و الملابسات ينحرف بها ويفسدها.