أعرف زوجان في الثلاثينات من عمرهما يعملان طوال الأسبوع راتباهما معًا يكفيان بالكاد للإيجار الأقساط ومصاريف الأطفال لا ينتميان إلى الطبقة الفقيرة حتى يحصلان على دعم ولا يملكان فائضًا من المال ليُصنّفا من الميسورين في أحد الأيام أصيب ابنهما في المدرسة بكسر في ساقه احتاج عملية سريعة المستشفى الحكومي لا يوجد به سرير والمستشفى الخاص يطلب دفعة مقدّمة تعادل نصف راتبهما اضطرا للاقتراض وتأجيل الإيجار وتأجيل خطة دراسية كانا يدخران لها منذ شهور سارة تقول "نحن لسنا فقراء لكننا دائمًا على حافة الهاوية نخشى أن نمرض أو نخسر عملنا أو ترتفع الأسعار فجأة لا مجال للخطأ نحن نعيش فقط كي لا نسقط لا نصعد ولا نتحرك حتى" هذه هي أزمة الطبقة الوسطى يُطلب منها أن تصبر أن تدفع أن تتنازل أن تتحمّل لكنها لا تُكافأ بشيء لا يُسمح لها أن تصرخ لأن الجميع يظن أنها بخير ولا يُعترف بألمها لأنها لا تموت جوعًا فهل نبالغ إن قلنا إن الطبقة الوسطى صارت منطقة رمادية لا تُرى أم أن تجاهلها متعمَّد لأن سقوطها يعني انهيار التوازن؟ شاركونا تجاربكم
الطبقة الوسطى عالقة بين الصعود المستحيل والسقوط المحرّم.
هي نفس أزمة الأخ الأوسط، لا هو الكبير فيعرف أنه متاح له كل شئ ويتحمل مسؤولية، ولا هو الصغير الذي لا يملك من الأمر شئ ويحركه الجميع، كذلك هذه الطبقة لا هي فقيرة تحظى بالشفقة ولا ترى حولها إلا الفقر، ولا هي غنية فلا يؤثر عليها شئ، ينظرون خلفهم فيقولون نحن أفضل وينظرون أمامهم فيقولون امامنا الكثير، ليسوا على القمة حيث القاع بعيد وليسوا في القاع حيث يفقد من هناك أمل الوصول لأي قمة، لكن على العموم وبرأيي الجميع يعاني اليوم ولا أحد يشعر بأي راحة
المشكلة ان كلمة وسطى نفسها داخلها طبقات كثيرة، فالتي ذكرتها مي هنا وسطى متدنية، ولكن لو توّفر لها ثمن الكسر مرة واثنين، فماذا لو عملية كبيرة تتكلف 60-80 ألف جنيهًا؟؟ هنا ندخل إلى مرحلة وسطية في الوسطى، وتلك المرحلة ستبدا في الانهيار مع مدفوعات بهذا الحجم، ثم تأتي الوسطى العليا وهي التي لها بعض المدخرات للازمات الصحية، ويمكنها تأمين الأقساط والعيش حياة جيدة جدًا بمرتباتهم، ولكن ليسوا أغنياء على أي حال، فلو لأحدهم أزمة صحية تحتاج إلى علاجات شهرية بأرقام كبيرة، سينهار حالهم أيضًا.
كلمة طبقة وسطى فعلًا واسعة وفي داخلها مستويات مختلفة وكل مستوى له تحدياته الخاصة حتى الوسطى العليا التي تبدو مرتاحة نسبيًا يمكن أن تنهار أمام أزمة صحية طويلة أو تكاليف علاج شهرية ضخمة المشكلة أن أي ظرف طارئ كبير قادر أن يسحب أي مستوى من هذه الطبقة إلى الأسفل بسرعة وهذا يجعل الإحساس بعدم الأمان مشترك بينهم جميعًا مهما اختلفت قدرتهم المالية
صحيح فعلًا لأن هذه الطبقة تعيش في مساحة لا ترى بوضوح لكنها تتحمل ضغطًا مستمرًا من كل الجهات أوافقك أن الوضع حاليًا أصعب على الجميع لكن الفرق أن الطبقة الوسطى دائمًا مطالبة بأن تكون قوية ومتماسكة حتى وهي منهكة وكأن الاعتراف بمعاناتها ترف لا تستحقه ربما لهذا السبب يشعر أفرادها أنهم وحيدون في المواجهة لا هم في أمان كامل ولا هم في القاع ليتلقوا يد المساعدة
أنتم عارفين قصة سارة وأدهم زي مراية عاكسة لواقع كتير مننا، واقع الطبقة الوسطى اللي عايشة في منطقة ضبابية، لا هي تحت خط الفقر تترمي لها فتات الدعم، ولا فوق تتمتع براحة البال. كلامهم عن إنهم "على حافة الهاوية" بيختصر إحساس القلق الدائم، زي واحد ماشي على حبل رفيع، لو اتزحلق خطوة، يقع في الديون أو الضياع. ابنهم اتكسرت رجله، وفجأة صار المستشفى الخاص هو الحل الوحيد، بس بدفعة مقدمة تأكل نص راتبهم! اضطروا يستدينوا، يأجلوا الإيجار، ويرموا خطة دراسية كانوا يحلموا بيها ، المشكلة الأصعب أنهم بيعبروا عن الواقع الخاص بيا والواقع الخاص بمعظم الناس أنا عن نفسي مأجل الجواز مراهن على نجاح مشروعي البسيط بهدف الخروج من الدايرة الصعبة دي بالتحديد وحاسس إن لو أتعجلت الجواز بسبب مسؤليته هضطر أخاطر بحاجات كتير أو أعيش زي (سارة) و(أجهم). سارة بتقول إنهم بيعيشوا بس علشان ما يسقطوش، ودي الحقيقة المرة: الطبقة الوسطى بقت زي لاعب بهلوان في سيرك، الكل بيصفق له وهو بيحاول يوازن.
فعلًا هذة القصة تشبه حياة كثير من الناس والعيش في هذه المنطقة الضبابية يستهلك الأعصاب قبل الجيوب أنت محق في فكرة تأجيل الزواج إذا كان سيسحبك لنفس الدوامة لأن المسؤوليات الكبيرة مع دخل محدود قد تجبر الشخص على التنازل عن أحلامه أو يعيش طوال الوقت في حالة ضغط من الجيد أنك تراهن على مشروعك الآن لأن وجود مصدر دخل إضافي أو عمل خاص قد يكون هو الشيء الوحيد الذي يمنح الطبقة الوسطى فرصة للتحرك بدل البقاء على الحبل الرفيع الذي وصفت
التعليقات