ثمن لا يُشترى

في يوم قريب، كنت جالسة أنا وأحد أقرب الرفاق إلي. تحدثنا مطولًا عن مواضيع مختلفة، وانتهى بنا الحديث إلى مناقشة قيمة المال. تركت كلماته أثرًا عميقًا في داخلي، حتى أنني وجدت نفسي بعد فترة أسترجع ما قاله مرارًا، كأن حديثه كان بذرة زرعت في عقلي وبدأت تنبت ببطء. دفعني الفضول حينها لأن أطرح سؤالًا بسيطًا على أسرتي: ما هي أغلى الأشياء التي تملكونها؟ كنت أبحث عن إجابات تروي عطش تفكيري الذي لم يهدأ.

اختلفت الإجابات بين من قال إن العائلة هي الأغلى، ومن رأى أن الصحة هي الثروة الحقيقية، ومن أكد أن الإيمان والإسلام هما أعظم ما يملك الإنسان. وقفت أمام هذه الردود أفكر بعمق، حتى تبلورت داخلي حقيقة واضحة كالشمس: المال يشتري الأشياء الرخيصة فقط، مهما بلغت قيمتها الملايين. يمكنه شراء البيوت الفخمة والسيارات الفارهة، لكنه أبدًا لا يستطيع شراء دفء العائلة، ولا راحة القلب، ولا نعمة الإيمان،حتى أولئك الذين يتقربون إليك فقط لأنك تملك المال، ليسوا بشرًا حقيقيين بالمعنى الإنساني للكلمة. هم أشبه بظلال تتبعك ما دمت تشرق بالمال، ثم تتبخر من حولك حين تغرب. وجودهم هش ومشروط، لا يعبر عن مودة صادقة ولا عن وفاء حقيقي.

تعلمت من هذه الرحلة الصغيرة في أعماق التفكير أن المال خادم جيد لكنه سيد قاسٍ، وأن الغنى الحقيقي لا يقاس بما في الجيوب، بل بما في القلوب. الغنى أن تجد قلبًا يحبك بلا شروط، وصحة تسندك حين تتعب، وإيمانًا يضيء لك الطريق حين تظلم الدروب. وفي نهاية المطاف، أدركت أن أجمل الأشياء في هذه الحياة لا تُشترى ولا تُباع، بل تُمنح هدية من السماء لمن عرف كيف يراها بقلبه قبل عينيه.


حتى أولئك الذين يتقربون إليك فقط لأنك تملك المال، ليسوا بشرًا حقيقيين بالمعنى الإنساني للكلمة.

لماذا نعتقد أن الأغنياء ليس لديهم علاقات وثيقة وقوية، من قال إن الغني ليس لديه أصدقاء وبينهم بين ما بين العامة من مودة وصلات قوية ووثيقة.

من قال إن علاقات الأغنياء سطحية وكأنهم بشر ليس لديهم مشاعر حقيقية، من قال إنهم لا يزورون بعض في المرض ولا يقفون إلى جانب بعض في الشدائد، ولا يسخرون معارفهم وطاقاتهم من أجل أصدقائهم؟

فئة كبيرة تحاول أن تتوهم أن المال ليس الضرورة، وبصراحة أرى هذا تسكين لألم ذاتي ناتج عن العجز عن تحقيق النجاح أو الاستقرار المادي، فنجد البعض يقول فقير ومعافى، أو فقير ومحبوب، أو فقير وعندي عائلة، وهذا لا أراه رضا بقدر ما أراه توهم للرضا وتسكين فقط، فهناك غني معافى ومحبوب وناجح وعنده عائلة وأصدقاء غير طامعين فلما هذه النظرة!

أتفهم تمامًا وجهة نظرك، لكني أعتقد أن اختزال الرضا إلى مجرد امتلاك المال هو قراءة قاصرة لطبيعة الإنسان. المال مهم، نعم، لكنه ليس الحقيقة الوحيدة التي تحدد جودة الحياة.

الذين يثمِّنون العافية، الحب، والأمان الداخلي لا يفعلون ذلك تسكينًا لعجزهم، بل لأنهم أدركوا أن القيمة لا تُقاس دومًا بما يُشترى أو يُكدس. الغنى الحقيقي هو أن تملك أسباب السعادة داخلك، سواء كان معك مال أو بدونه.

أما المال، فهو أداة، وليس هوية ولا غاية بحد ذاته. الفارق بيننا وبين من يعيش وهم المال، أن بعضنا يبني حياته على معاني لا تفلس.

دعنا ننظر بصدق أكثر ستجد أن اليوم ما يحكم ويتحكم هو المال، في غيابه الذي رضى بالعافية هو مهدد بأن يخسرها لأنه لا يملك ثمن الدواء أو خدمات الرعاية، ومن يلتف حوله أسرة وأبناء بلا مال لن يكون سعيد وراضي إذا ما نظر إبنه لطعام لا يملك ثمنه أو رغبت زوجته في شئ يعجز عن تلبيته، اتفهم ما تقوله جيداً، وكنت مثلك وأكثر إلى أن توفى والدي ووجدت أن حال اسرتي بالكامل مهدد حتى الصغيرة التي لم تتجاوز السابعة يرتادها القلق لهذا تغيرت نظرتي تماما

قد يكون ذلك بسبب تصدير المجتمعات الغنية هذه الأفكار للمجتمعات الأخرى حتى لا يثورون عليهم، فبينما يمتلك مجتمع الأغنياء المال، تمتلك باقي المجتمعات: السعادة، والحب، والصحة، والراحة البال..من سيحتاج المال ولديه كل ذلك!!

اتفق معك أن المال لا يُفقد الإنسان قدرته على بناء علاقات صادقة وعميقة. المشكلة ليست في الغِنى ولا في الفقر، بل في طبيعة النفوس. فهناك فقراء بقلوب خاوية، وأغنياء بأرواح دافئة، والعكس صحيح. المال مجرد مضخم لما هو موجود في الداخل: من كان وفيًا وهو فقير، سيبقى وفيًا وهو غني. المعيار الحقيقي لا يُقاس بالرصيد البنكي، بل بالرصيد الإنساني الذي نحمله داخلنا.

أعتقد أن ما تقصده أ. أفنان هم أولئك الذين يتقربون منك وقت امتلاكك للمال فقط ومن أجل المال ومصلحتهم الشخصية فقط، فلا يهمهم أمرك، يهمهم أموالك فقط ووجه استفادتهم منها.

الأغنياء يمتلكون حاسة قوية بصدد هذه الأمور لكثرة مرورهم بمثل هذه التجارب، لكن لو فكرنا قليلاً ألا يتقرب البعض للبعض الآخر من أجل أي مصلحة، ولا تقتصر تلك المصالح على المال وحده؟

بغض النظر عند شكل هذه المصلحة، لكن فكرة تقرب إنسان لإنسان أخر فقط لأجل المصلحة قد يعتبر استغلالًا لا يقبله الكثير من الناس، خاصة عندما لا يكون هناك تبادل منفعة وطرف واحد فقط يستنزف الاخر ويبتعد عنه عندما لا يريد منه مصلحة.

فعليا هذا ما اقصده