أنا وفتاة بيكاسو

لو قال لي أحدٌ يومًا أنني سأستطيع قراءة لوحة تنتمي إلى الفن التكعيبي لانفجرت في الضحك! أما أني سأقرؤها فتأسرني؛ فأقع في غرامها، ثم أتوحد معها رويًدا رويدًا فأتحدث بلسان بطلِها وأتوجع من آلامه،  فهذا ضربٌ من ضروب هذيان استعصى عليّ نسج خيوطه!

ولكن هذا ما حدث لي أثناء اضطراري الدراسي بأكاديمية الفنون لتحليل فتاة بيكاسو التي تقف أمام المرآة، تنظر إلى انعكاس صورتها الغريب المشوش المحير والملغز. ما الذي غير ملامح الفتاة الشابة الجميلة الزاهية الألوان لتتحول إلى تلك العجوز الشائخة الذابلة التي تظهر في المرآة، تحيطها هالة امتزجت فيها كآبة الأزرق والأسود؟! ما الذي جعل عينها الصافية تفقد بياضها وتتحول حدقتها إلى اللون البنفسجي الحزين، تذرف دمعة برتقالية ساخنة تحرق وجنتها؟! ما الذي أبدل تجاعيد الجبهة وبقعة الجرح الأحمر الدامي التى تجاورها بالنضارة والحسن؟! ما الذي جعل جسدها ذا الظهر المستقيم والخطوط الأفقية والبطن الخصبة التى تحمل طفلًا في رحمها، يتحول إلى جسم غريب غير متناسق فقد استقامته واستبدل الإنحناء بالإستواء والاستقرار؟! جسم ذي بطن متهدل ونهدين غير متوازنين يعلو أحدهما على الآخر في غرابة عشوائية؟! أهو استباق للزمن الذي يغير الملامح ويستبيح كل عزيز فيها؛ فيمتهنه ويشوهه؟

أم أن الزمن بريءٌ لم يرتكب جرماً،  وتلك هي صورة الحاضر الحقيقية لنفسي كما أراها... عفواً أقصد كما تراها الفتاة التي تحمل التشوه  بداخلها، وتظهر بقناع يخفيه ويداريه عن أعين الناس الفضولية الكثيرة التي تترصدها في الخلفية، تراقب.. تحسد.. تخترق.. تكشف.. تعري.. تنهش.. أو على أحسن الفروض ترثي لحالها في تعاطف حاد مسنون لا تستطيع إحصاء وخزاته؛ فلا تجد لها مفرًا سوى ارتداء الأقنعة، فقد تقيها على الأقل شر الرثاء! ولا بأس من بعض الابتساماتٍ المفتعلة التي تخرج من فم مطلي بالأحمر الزاعق، يجاوره كم هائل من مساحيق الزينة التي تتضافر ألوانها المختلفة لرسم البهجة على نصف وجهها الدائري  النهاري المشمس، ولكن في الليل حين تحل الظلمة الساترة من تلصص الأعين، تخلع القناع، وتزيل المساحيق؛ فيظهر نصف وجهها الحقيقي الهلالي الناقص الذي يبحث عن اكتمالٍ!  

نقص لا يراه الناس مهما بلغت بلغت قوة إبصار عيونهم المحدقة، فتظل عاجزة عن النفاذ إلى الأعماق، وقد يجتمع العجز وانعدام الرغبة، فما أسهل الوقوف عند أبواب القشور الخارجية!

الفتاة فقط ترى ما بداخلها، وتعلم أنها منقسمة ناقصة متناقضة حزينة حتى من قبل أن تنظر في المرآة! وتحاول جاهدة أن تمد يدها الطويلة ذات الأصابع الغريبة لتمسك بالصورة المنعكسة قبل أن تفر منها، لعلها تريد أن تتحسس الملامح لتتحقق بحاسة أخرى غير حاسة النظر- الذي ربما زاغ قليلًا- من أوجه الاختلاف والغرابة،   ولكن ماذا ستفعل بها بعد أن تمسكها؟ تراها ستمزقها؟ ستخفيها؟ ستعدّلها؟ ستجمّلها هي الأخرى حتى لا تظهر حقيقتها؟ لا أعلم... وربما لا تعلم هي أيضًا.

يقول بعض النقاد أن بيكاسو أراد أن يعبر بالفتاة الجميلة عن أوقات القرب والحب بينهما، وبإنعكاسها المشوه في المرآة عن أوقات البعد والهجر.

اللعنة على بيكاسو وعلى محبوبته، ليس المهم ما أراده وما رآه، فالمهم ما أراه، وما أشعر به وفتاتي أنا...

 

هاله الزقم