حين يصبح الأصل حكمًا على المصير

هناك نوع من الفقر لا علاقة له بالمال.

فقرٌ أخطر، يبدأ حين يقتنع الإنسان بأن ما وُلد فيه هو الحد الأعلى الذي يحق له أن يطمح إليه.

في بعض البيئات، لا يُنظر إلى الفقر باعتباره ظرفًا اقتصاديًا عابرًا، بل يتحول تدريجيًا إلى هوية اجتماعية تُفرض على صاحبها: إذا كنتِ فقيرة، فعليكِ أن تبدوي فقيرة، أن تختاري بما يتناسب مع فقرك، أن تخفضي ذوقك، وأن تعتذري عن أي رغبة تتجاوز حدود البيئة التي جئتِ منها.

وكأن الإنسان مطالب بأن يحمل ظروفه على جسده حتى يطمئن الآخرون إلى أنه لم يتجاوز "مكانه".

لكن من قال إن الفقر يحدد الذوق؟

قد تعيش فتاة في بيت بسيط، لكنها تمتلك حسًا جماليًا راقيًا. قد لا تستطيع شراء الملابس التي تعجبها، لكنها تعرف جيدًا ما يناسبها. وقد تجلس على مائدة لم تعتد عليها، فتختار طعامها بثقة، لا لأنها تتظاهر بأنها من طبقة أخرى، وإنما لأنها إنسانة لها معرفة وذائقة وتجربة وفضول.

فالذوق ليس ميراثًا عائليًا، والثقافة ليست حكرًا على الأغنياء، والرقي ليس امتيازًا طبقيًا.

هناك أشخاص يولدون داخل بيئات لا تشبه تكوينهم الداخلي إطلاقًا.

قد يولد الإنسان في مجتمع محدود الأفق، بينما عقله واسع. قد يعيش في بيت لا يعرف السفر، بينما روحه محبة للاكتشاف. قد ينشأ وسط البساطة، لكنه يمتلك حسًا فنيًا، ووعيًا، وطموحًا، وطريقة مختلفة في رؤية الحياة.

وهنا يجب أن نفصل بين الانتماء الاجتماعي والانتماء النفسي.

فالبيئة التي صنعت طفولتك ليست بالضرورة البيئة التي تحدد شخصيتك في المستقبل.

ولهذا فإن سؤال الزواج يصبح أكثر تعقيدًا.

لماذا عندما تكون المرأة فقيرة يُطلب منها أن "تعرف مستواها"؟

لماذا تصبح رغبتها في رجل كريم أو حياة مستقرة أو منزل مريح نوعًا من "رفع سقف الاستحقاق" الذي يُنظر إليه باستهجان؟

وكأن الفتاة الفقيرة مطالبة بأن تختار رجلًا فقيرًا فقط حتى تكون منسجمة مع ماضيها.

لكن الزواج ليس عملية دمج بين حسابين بنكيين، ولا ينبغي أن يكون امتدادًا آليًا للطبقة التي ولدنا فيها.

إذا كانت المرأة لا تُختزل في مالها عندما تكون غنية، فلماذا تُختزل في فقرها عندما تكون فقيرة؟

لماذا يصبح المال هوية في الحالة الثانية، وامتيازًا في الحالة الأولى؟

وهنا تظهر الازدواجية.

قد يتعامل بعض الرجال مع المرأة الغنية بحذر شديد، ويحسبون كلماتهم، ويجتهدون في إرضائها، ويقدمون لها ما يستطيعون وما لا يستطيعون؛ خوفًا من خسارتها أو من المكانة التي تمثلها.

ثم يأتي الرجل نفسه إلى امرأة فقيرة، فيبدأ بتذكيرها بماضيها كلما طلبت شيئًا.

"في بيت والدم كنتِ تعيشين بكذا، والآن تريدين أن تعوضي حرمانك "

هذه الجملة تبدو في ظاهرها حديثًا عن الإمكانيات، لكنها أحيانًا تحمل في داخلها إذلالًا طبقيًا مقنعًا.

فالرجل الذي يقول: "لا أستطيع الآن، لكن سنحاول لاحقًا" يتحدث عن الواقع.

أما الذي يقول: "أنتِ كنتِ فقيرة، فلا يحق لك أن تطلبي"، فهو لا يناقش طلبًا؛ بل يستدعي الماضي ليضع المرأة في مرتبة أدنى.

وهنا يجب أن نسأل:

هل يحب الرجل المرأة، أم يحب موقعها الاجتماعي؟

هل يحبها هي، أم يحب ما تمثله عائلتها؟

هل يرى شخصها، أم يرى شبكة العلاقات والمال والنسب والامتيازات التي تأتي معها؟

لأن الحب الحقيقي لا يعني أن الرجل قادر على تلبية كل طلب، وإنما يعني أن عجزه المادي لا يتحول إلى وسيلة لإهانة الطرف الآخر.

قد يكون الرجل محدود الدخل، لكنه كريم النفس.

وقد يكون ثريًا، لكنه يستخدم المال كأداة للهيمنة.

والفرق بين الاثنين ليس في حجم الثروة، وإنما في **البنية الأخلاقية للعلاقة.

وفي المقابل، ليست المرأة مطالبة بأن تتحول إلى امرأة متطلبة حتى تثبت أنها ذات قيمة.

الاستحقاق الصحي لا يعني أن أقول: "أنا أستحق كل شيء."

بل يعني أن أقول:

"أنا أستحق ألا يُهان إنساني بسبب المكان الذي بدأت منه."

وهذا فارق جوهري.

فالفتاة الفقيرة لا تحتاج إلى أن تتنكر لفقرها، كما لا تحتاج إلى أن تتماهى معه.

لا تحتاج إلى أن تتظاهر بأنها غنية، ولا إلى أن تتعمد الظهور بمظهر أقل مما هي عليه حتى لا يقال إنها "تتجاوز حدودها".

من حقها أن تحب الجمال، وأن تتعلم، وأن تطور ذوقها، وأن تحلم ببيت أفضل، وأن تتزوج رجلًا أفضل منها ماديًا إذا كان هناك توافق حقيقي بينهما.

كما أن من حقها أن ترفض رجلًا غنيًا إذا كان فقيرًا في الاحترام.

لأن التفاوت الاقتصادي لا يعني بالضرورة تفاوتًا في القيمة الإنسانية.

وهذه ربما أكثر فكرة تحتاج مجتمعاتنا إلى مراجعتها:

نحن كثيرًا ما نخلط بين قيمة الإنسان وقيمة ما يملك.

نرفع من شأن شخص لأنه ولد في عائلة ميسورة، ونضع آخر في مرتبة أدنى لأنه جاء من بيت متواضع، ثم نتساءل لماذا أصبح الناس مهووسين بالمظاهر.

نحن الذين صنعنا السلم، ثم غضبنا لأن الجميع يريد الصعود عليه.

الحقيقة أن الإنسان لا يختار نقطة البداية.

لا يختار أباه، ولا دخله الأول، ولا الحي الذي وُلد فيه، ولا الظروف التي صنعت طفولته.

لكنه يستطيع أن يختار إلى أين يتجه.

ولهذا لا ينبغي أن يكون الفقر حكمًا مؤبدًا على الطموح.

فالمرأة قد تأتي من كوخ، لكنها ليست مطالبة بأن تحمل الكوخ داخل شخصيتها إلى الأبد.

قد تكون بدايتها متواضعة، لكن نهايتها ليست ملكًا لماضيها.

والرجل الذي يحبها حقًا لن ينظر إليها باعتبارها "فقيرة تحاول الوصول"، بل باعتبارها إنسانة لها عقل وذوق وكرامة وإمكانات.

وعندما يحب الإنسان إنسانًا، فإنه لا يحب الطبقة التي تقف خلفه.

يحب الشخص الذي بقي عندما سقطت كل الامتيازات.

وهنا ربما يكون السؤال الأكثر صدقًا:

إذا أزلنا المال، والنسب،

والبيت، والاسم، والمكانة الاجتماعية... من سيبقى ؟

ذلك الإنسان الذي سيبقى هو وحده الذي يستحق أن يُقاس به الإنسان.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش