في كل مرة تقترب فيها مواعيد الانتخابات البرلمانية العراقية، تعود إلى الواجهة ظاهرتان بارزتان تؤثران في مسار العملية السياسية: المقاطعة والتحشيد. وهاتان الظاهرتان لا تظهران بشكل عشوائي، بل تنبعان من تراكمات سياسية واجتماعية وثقافية داخل المكونات العراقية المختلفة، وتعكسان حالة من القلق من المستقبل، وضعف الثقة في المؤسسات، وسعي كل طرف إلى تعظيم حضوره أو فرض شروطه،المقاطعة في العراق غالباً ما تعكس أزمة الثقة بين المواطن والعملية السياسية،في المكون السني، حيث برزت المقاطعة بوضوح في انتخابات 2005، حيث قاطعت قوى بارزة مثل هيئة علماء المسلمين وعدد من الفصائل السياسية والعشائرية، معتبرة أن النظام الجديد مفروض من الاحتلال الأميركي ويقوم على المحاصصة الطائفية،تكررت دعوات المقاطعة لاحقاً، خاصة من حركات عشائرية وشخصيات سياسية رأت أن المشاركة لا تحقق توازناً ولا تغيّر من واقع التهميش،ويعود المشهد اليوم بالخطابات الطائفية الذي اطلقه"خميس الخنجر" والذي يصف بها الشيعه ب الـ غوغائين مستغلاً مخاوف الناخبين من سياسات الحكومة المركزية أو من صعود القوى الشيعية المسلحة،وقد ارتكزت دعاية تلك الأحزاب على المظلومية الطائفية، ويُستخدم التحشيد غالبًا لتعزيز الحضور الانتخابي، لكنه يحمل في طياته خطر تعميق الانقسامات، خصوصًا حين يتم التحريض على “الآخر” أو التلميح إلى أن الانتخابات معركة وجودية،ومن الجانب الاخر يأتي المكون الشيعي حيث ظهرت المقاطعة بشكل أوضح في انتخابات 2021 عندما أعلن التيار الصدري الانسحاب، قبل أن يتراجع لاحقاً ومن ثم الانسحاب، وفي الانتخابات القادمة ارتفعت الاصوات من اتباع التيار الصدري على المقاطعه وتنديدهم لهذة الانتخابات وايضا مايسمىٰ ب القوى المدنية منبثقة عن حراك تشرين دعت إلى المقاطعة بحجة أن الانتخابات لا تعبّر عن إرادة الشعب، بل تعيد إنتاج الأحزاب التقليدية،اما بالتحشيد يأتي الاطار التنسيقي بالمحشد الاول لدى القوىٰ الشيعية والذي يحمل على عاتقه حمل الدولة وأعبائها في ظل الانقسامات الكبيرة في داخل المجتمع العراقي، وبحسب قرأتي للوضع الحالي ان ما يُقلق في هذا السياق هو أن المقاطعة والتحشيد غالبًا ما يتخذان أبعادًا طائفية وقومية، فيُنظر إلى الأول على أنه خيار “المظلوم”، والثاني على أنه ردّ “القوي”، لكن الحقيقة أن كلا الظاهرتين تضران بالدولة ككل، وتشجعان على التمترس داخل الخنادق الطائفية،الحل لمثل هذا الصراع الانتخابي المستمر الابتعاد عن تعميم الأحكام على المكونات، بل في بناء بيئة انتخابية نزيهة، تضمن الشفافية، وتُعالج مخاوف التزوير، وتوفر ضمانات حقيقية للعدالة في التمثيل،كما أن من الضروري تعزيز ثقافة الحوار بين الكتل السياسية، ونبذ خطاب الكراهية، والعمل على تفعيل مؤسسات الدولة بعيدًا عن المحاصصة، الانتخابات ليست معركة نفوذ بين المكونات، بل يجب أن تكون وسيلة لاختيار ممثلي الشعب بشكل ديمقراطي ولتحقيق ذلك، لا بد من تجاوز منطق المقاطعة والتحشيد، والعمل على بناء وعي جماعي بأن مصلحة العراق تفوق كل المصالح الضيقة.
مجتمع للمبدعين لمناقشة وتبادل الأفكار حول التدوين وصناعة المحتوى. ناقش استراتيجيات الكتابة، تحسين محركات البحث، وإنتاج المحتوى المرئي والمسموع. شارك أفكارك وأسئلتك، وتواصل مع كتّاب ومبدعين آخرين.
97.3 ألف متابع