​على حافة الغياب

​لم يكن المطر يقرع النافذة، بل كان يشبه أصابع متوترة تحاول لفت انتباه شخص غارق في تأملاته.

​جلستُ على ذلك المقعد الجلدي البالي الذي حفظ تفاصيل ظهري منذ سنوات، وأمامي ورقة بيضاء تماماً، لا يشوب نقاءها سوى بقعة قهوة باردة سُكبت سهواً قبل منتصف الليل بقليل. في هذا التوقيت بالذات، حين تنام المدينة وتتخلى عن صخبها المزيف، يرتدي العالم حقيقته العارية.

​تأملت الحبر الأسود الراكد في قاع الدواة، وتذكرت ما قاله لي يوماً ذلك العجوز الضرير الذي كان يبيع الكتب القديمة على رصيف الميناء:

"الكلمات الحقيقية يا بني ليست تلك التي ننتقيها لنعجب بها الآخرين، بل هي التي تخرج رغم أنفنا، كأنها دموع تناثرت على متن سفينة غارقة."

​الفصل الأول: الوجه الآخر للمرآة

​في الغرفة المجاورة، كان صوت عقارب الساعة يتردد بانتظام قاسٍ: تكتك... تكتك. صوت يعيد ترتيب الأيام ويحفرها في الذاكرة دون استئذان.

​فتحت الدفتر، ووجدت اسمي مدوناً بخط باهت على الصفحة الأولى، تاريخ قديم لم أعد أتذكره، كأن شخصاً آخر كتبه ورحل. تساءلت حينها: كم مرة نعيش نفس اليوم ونجدد ذات الخيبات بحجة أننا نمضي قُدُماً؟

​مررت يدي على السطور الأولى، فرأيت طفولتي العالقة بين جدران ذلك البيت الطيني القديم، حيث كانت رائحة المطر على التراب الحار (الخَبَر) هي العطر الوحيد الذي نعرفه. تذكرت وجه أمي وهي تقف عند الباب تلوح بمرارة لغياب طويل لم ينتهِ أبداً.

​لماذا نكتب؟ أهو خوفٌ من الزوال، أم رغبة دفينة في أن يلمس أحدهم أثر أرواحنا حين يصبح الجسد مجرد غبار؟

​الفصل الثاني: رسائل لا تصل

​على حافة الطاولة، استقرت رزمة من الرسائل القديمة التي لم تُرسل قط. أخذت إحداهن، وفتحت الظرف بحذر شديد كمن يوقظ ميتاً من نومه الطويل.

​"إلى من لم يعد يحمل اسماً...
ربما كنتُ أعتقد أن الوقت يكفي لترميم ما أفسدته الشكوك، لكنني أكتشف كل صباح أننا لا نبتعد عن الأماكن بقدر ما نبتعد عن أنفسنا. تركتُ لك نصف الحكاية على شاطئ الذاكرة، ونصفها الآخر تحت ركام السنوات. إن مررت يوماً من هناك، فلا تبحث عن أثري، بل ابحث عن قلبك القديم الذي ضاع منك بين زحام الأماني المؤجلة."

​أعدت طي الرسالة ببطء شديد. شعرت بغصة خفيفة تعتصر خافقي. كم هو مؤلم أن ندرك متأخرين أن الأشياء الثمينة ترحل دائماً بصمت، بينما الوداع الصاخب لا يترك خلفه سوى الصدى الخاوي.

​الفصل الثالث: ما خلف الأفق

​نهضتُ من مقعدي، وتوجهت نحو النافذة الزجاجية الضبابية. مسحت بقبضة يدي قطرات الندى المتراكمة عليها لأرى الشارع الخاوي من كل شيء سوى مصباح إنارة قديم يكارع الريح وحيداً.

​في تلك اللحظة، أدركت أن الروايات الحقيقية لا تحمل نهايات سعيدة ولا خواتم دراماتيكية؛ إنها فقط تشبه الحياة، تبدأ بلا تمهيد وتنتهي بلا إجابة شافية، تاركة القارئ يكمل الفراغات بدموعه أو بذكرياته.

​أغلقت النافذة، وعدت إلى الطاولة. أخذت القلم، ولم أكتب شيئاً جديداً... اكتفيت بأن وضعت نقطة سوداء صغيرة في أسفل الصفحة البيضاء، وكأنها إيذان بأن الحكاية قد بدأت للتو في مكان ما خارج هذا الورق.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش