من ظلمات الفراق إلى نور اللقاء

من ظلمات الفراق إلى نور اللقاء

تفرّقت بهما السُّبل كأنهما لم يتعاهدا يوماً على البقاء، وشقّ كلّ منهما طريقه في أرض جديدة؛ ارتبطت هي بشريكٍ آخَر، وبنى هو بيتاً مع امرأةٍ أخرى. اختبأت الأشواق تحت ركام السنين ومشاغل الحياة، حتى جاءت الأقدار بقصّتها الأخيرَة على هيئة لقاءات ثلاث.

اللقاء الأول: ذهولٌ وحيرة

توقفت اللحظة تماماً عندما التقت أعينهما فجأة. تصنّم كلّ منهما في مكانه، وغطّت حالةٌ من الذهول المطلق على الملامح. تسربت الحيرة إلى الأرواح: كيف لقلبين امتلكا الكون يوماً أن يتحدثا كالغرباء؟ اختنقت الكلمات في الحناجر، ولم تتعدَّ التحية بضع كلمات مقتضبة، لكنّ الحنين المكتوم كشفته ارتعاشة الأيدي وشغف العيون التي كانت تتساءل في صمت: كيف آلت بنا الأيام إلى هنا؟

اللقاء الثاني: شوقٌ وندم

تكرّر اللقاء وكان العتب أكثر وضوحاً هذه المرة. جلسا على الأريكة التي بدت وكأنها أسعد منهما؛ لأنها احتوتهما وجرّبَت دِفءَ قربهما من جديد، يتهرب كلّ منهما من النظر المباشر لعيون الآخر كي لا يفضح الشوق خبايا السنين. سرعان ما طفا الندم على السطح؛ ندمٌ حارق على القرارات السريعة، على الكبرياء القديم، وعلى كل لحظة لم يقاتلا فيها لأجل بعضهما. تنفس هو الصعداء بزفرة ثقيلة، ونظرت هي إليه بنظرة انكسار. بريق الشوق في أعينهما كان متوهجاً كالجمر، يحرق كل المحاولات الزائفة لتصنّع النسيان، وكأن روحيهما تعاتبان الزمان الذي فرّق بينهما.

اللقاء الثالث: شغفٌ ورضا بقضاء الله

في اللقاء الأخير، سكنت عاصفةُ الشوق وتخللها شيءٌ من الهدوء المديد. نظر كل منهما إلى الآخر بعمق، ورغم أن شغف الحب وبريق الشوق كانا لا يزالان يلمعان في العيون كأول يوم، إلا أن الحزن استحال إلى سكينة. أدركا أن الماضي لا يعود، وأن لكل منهما عائلة وبيتاً وعهوداً جديدة يجب صونها. ابتسمت هي وبداخلها دمعة حبسها الكبرياء، واكتفى هو بهزة رأس تفهم كل شيء.

استشعرا الرضا بقضاء الله وقدره، وأن ما كتبه الله لهما هو الخير المطلق وإن اختلفت أمنياتهما. انصرف كلّ منهما في طريقه بخطوات ثقيلة ولكن بروح مطمئنة، ممـتـنّـيـن لتلك اللحظات التي عبرت بهما من ظلمات الفراق وحيرته، إلى نور اللقاء.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش