مين كان يتخيل إن القصة اللي كتبتها تطلع حقيقة؟

‏كنت قاعد على مكتبي في نص الليل، والهدوء مالي الأوضة… مفيش غير صوت القلم وهو بيخبط خفيف على الورق. كنت بكتب آخر مشهد في الرواية… مشهد دخول “علي السباعي” في مواجهة أخيرة.

‏فجأة…

‏النور بدأ يضعف ويرجع تاني… زي ومضات سريعة.

‏رفعت عيني من على الورق، وبصيت حواليّا.

‏"إيه ده…؟"

‏الهواء في الأوضة بقى تقيل… كأن حد فتح باب في مكان تاني.

‏الورق اللي قدامي اتحرك لوحده… والقلم وقع من إيدي.

‏وقبل ما أستوعب اللي بيحصل…

‏سمعت صوت خطوات… جاية من ورايا.

‏ببطء… لفيت.

‏وللحظة… قلبي وقف.

‏طكان واقف هناك… نفس اللبس… نفس النظرة الحادة…

‏نفس الشخص اللي كنت لسه كاتبه من دقايق.

‏علي السباعي.

‏ظهر قدامي كأنه خرج من بين السطور…

‏كأن الحبر اتحول لدم ولحم.

‏اتحرك خطوة لقدام، وبص حواليه بحذر… وإيده على مسدسه.

‏وقتها بس، خرج صوتي بالعافية:

‏"هو… إنت علي السباعي؟"

‏ابتسم ابتسامة خفيفة… بس مفيهاش أي راحة، وقال بصوت هادي لكن حاد:

‏"إنت شايف إيه؟"

‏اتجمدت مكاني… الكلمات اتلخبطت في دماغي، بس حاولت أتماسك:

‏"أنا… أنا اللي كاتبك… إنت مش حقيقي!"

‏سكت لحظة، وبعدين بصلي نظرة طويلة كأنه بيقيس كل تفصيلة فيا، وقال:

‏"لو أنا مش حقيقي… يبقى إنت إيه؟"

‏السؤال خبط في دماغي زي الرصاصة.

‏قبل ما أرد… عيني راحت على المكتب… الدفتر كان لسه مفتوح، والصفحات بتتقلب لوحدها تاني… بس المرة دي مش فاضية.

‏كان في كتابة… بتتكتب قدامي.

‏رجعت أبص له بسرعة.

‏كان لسه واقف… بس إيده شدّت على المسدس أكتر، ونبرته بقت أخطر:

‏"إنت كتبت إني داخل مواجهة… صح؟"

‏بلعت ريقي وقلت: "أيوه… بس—"

‏قاطعني: "مع مين؟"

‏سكت.

‏عشان الحقيقة… إني مكنتش كاتب الطرف التاني لسه.

‏ابتسم… بس المرة دي ابتسامة مرعبة:

‏"يبقى كده… الدور عليك."

‏رجعت خطوة لورا، وقلبي بيدق بعنف: "إنت مجنون… دي قصة!"

‏قرب مني بسرعة مفاجئة، لدرجة إني حسيت بحرارة أنفاسه، وقال بهدوء مرعب:

‏"يبقى اكتب النهاية… حالًا."

‏بصيت على الدفتر… إيدي كانت بترتعش.

‏القلم اتحرك لوحده… ووقف عند سطر فاضي.

‏صوته جه من ورايا: "يلا… خلصني."

‏مسكت القلم بالعافية… وكل حرف كنت بكتبه، كنت حاسس إنه بيتحفر في الواقع.

‏كتبت: "رفع علي السباعي سلاحه…"

‏وفجأة… صوت تكتكة الأمان بتاع المسدس اتفك.

‏جسمي كله اتشل.

‏صوته طلع ببطء: "كمّل…"

‏القلم وقف… مش قادر أكتب.

‏قال بنبرة أخطر: "أكتب… يا أنا… يا أنت."

‏الدنيا سكتت…

‏ودلوقتي… أنا اللي واقف بين سطرين:

‏نهاية أكتبها بإيدي… أو نهاية هتحصل قدامي.

‏إيدي كانت بتترعش… بس المرة دي مش من الخوف بس… من فكرة أخطر.

‏لو كملت زي ما هو عايز… أنا بمضي على نهايتي.

‏بصيت للدفتر تاني… وبعدين رفعت عيني عليه. كان واقف مستني… واثق إني خلاص اتكسرت.

‏بس فجأة… فهمت.

‏ابتسمت.

‏ابتسامة صغيرة… بس مختلفة.

‏صوته اتغير لأول مرة:

‏"بتضحك ليه؟"

‏خدت نفس ببطء… وقلت:

‏"عشان افتكرت حاجة مهمة… أنا مش بس اللي كتبك."

‏سكت لحظة… وعيونه ضاقت.

‏كملت:

‏"أنا اللي بكتب القوانين."

‏القلم اتحرك في إيدي… المرة دي بإرادتي.

‏وكتبت:

‏"وفجأة… إدرك علي السباعي إنه مجرد شخصية… وجوده مربوط بكل كلمة مكتوبة… وأي محاولة للخروج عن النص… بتكسره."

‏الهواء تقل تقيل في الأوضة.

‏بصلي… أول مرة أشوف التردد في عينه.

‏"إنت بتعمل إيه؟"

‏مردتش… وكملت كتابة:

‏"إيده بدأت ترتعش… والمسدس تقيل في إيده… كأنه مش بتاعه."

‏فعلاً… إيده نزلت سنة صغيرة.

‏صوته بقى أعلى:

‏"اوعى تكمل!"

‏بس كملت.

‏"الصوت اللي في دماغه… صوت الكاتب… بقى أعلى من أي حاجة تانية."

‏حط إيده على راسه… وبدأ يتراجع خطوة.

‏"لا… لا…!"

‏رفعت القلم… وكتبت آخر سطر، وأنا ببص في عينه مباشرة:

‏"وفي اللحظة الحاسمة… اختفى علي السباعي… زي ما ظهر… مجرد حبر على ورق."

‏…

‏سكون.

‏مفيش نفس غير نفسي.

‏المسدس وقع على الأرض… صوت خفيف بس كان كأنه إعلان نهاية حرب.

‏بصيت حواليّا… الأوضة رجعت زي ما كانت.

‏رجعت للدفتر… الكلمات ثابتة.

‏بس…

‏كان في سطر جديد… مكتوب بخط مش خطي:

‏"إنت كده فاكر إنك كسبت؟"

‏إيدي بردت.

‏القلم وقع من إيدي لوحده.

‏والصفحة قلبت…

‏وسطر جديد بيتكتب:

‏"القصة لسه مخلصتش."

‏القصة بتقول إنك مش دايمًا المتحكم في كل حاجة… أحيانًا اللي بتصنعه (أفكارك أو قراراتك) هو اللي بيرجع يسيطر عليك.