كتب تطوير الذات: ما الذي حمسك دون جدوى، وما الذي غيرك فعلياً؟

​لقد وقعتُ في هذا الفخ كثيراً، وأبرز مثال لي كان كتاب مميز بالأصفر. أثناء قراءته، سحرني بجمال عباراته وبساطة نصائحه، لدرجة أنني كنت أخصص نوت بوك لكتابة النقاط التي حمستني جداً وشعرت أنها ستكون نقطة التحول في حياتي. لكن الحقيقة المرة هي أنني بعد الانتهاء منه، بقيت مكاني! لم يتغير شيء على أرض الواقع، وكأن تلك الحماسة كانت مجرد شحنة مؤقتة تبخرت بمجرد إغلاق الغلاف.

المشكلة في ما يدعى وهم المعرفة؛ أن أظن أنني تطورت لمجرد أنني قرأت عن التطور. كتب كثيرة تبيع الأدرينالين والوعود البراقة، لكنها تفتقر لخارطة طريق عملية تناسب الواقع المعقد. احيانا افكر هل هي تجربة مرت على أغلبنا وأن هذا يعد الرائج في كتب التنمية البشرية وتطوير الذات، أن اقرأ الكتاب ويحمسني لدرجة السماء، لكني بعد غلقه أكتشف أنني لم أنفذ منه حرفاً واحداً.

​اعتقد أنه من النادر جداً وجود كتاب حقيقي خرج عن دائرة الكلام الحماسي الإنشائي وشعرتُ أنه أثر فيّ بشكل عملي ودفعني لاتخاذ خطوات ملموسة. الا علي استحياء مثلاً بدأت أجد مجموعة كتب د. محمد طه مؤثرة وذات تأثير نفسي حقيقي على العلاقات لأنها تنمي الوعي النفسي والإدراك مباشرة، وهذا غير شائع للأسف.

​ولا أعلم لماذا، حتي اني أتذكر كتب د. إبراهيم الفقي عندما قرأتها في الصغر كم كانت تؤثر فيّ وتجعلني أدون خططاً لكن بلا نتيجة ايضا هذا جعلني تجنبت تقريبا هذا المجال.


اعتقد ان هذا بسبب تحول الكتاب الي سلعة، عندما يكتب الكاتب كتابه يضع نصب عينيه رغبته في انتشار الكتاب حتي لو علي حساب القيمة

اما بالنسبة لدكتور محمد طه فعلاً قرأت له كتابات الخروج عن النص وعلاقات خطرة كانوا غاية في الجمال

لكن لا يمكن أن نلوم الكاتب فقط فالانتشار جزء من واقعنا وإذا لم يُنشر الكتاب بشكل واسع ستظل أفكاره محدودة لدى القليل. وحتى كتب د. محمد طه على الرغم من عمقها تصل فقط لجمهور محدود مقارنة بالكتب الأكثر شعبية. الوصول للناس وتأثيرهم جزء لا يتجزأ من نجاح الكتاب نفسه.

هذا منطق الواقع لان الأفكار بدون وصول تظل معزولة، كأنها رسالة لم تخرج من الدرج. لان الكاتب لا يكتب حتى يرضي نفسه فقط، هو يكتب حتي يسمعه احد، والانتشار اصبح جزء من اللعبة مهما اختلفنا.

المشكلة إن السوق اصبح يكافئ السهل أكثر من الصادق. كتب مثل كتب د. محمد طه جمهورها أضيق، و تأثيرها أهدى وأطول نفسًا، لكنه حقق ايضا الشعبية السريعة. فالنجاح هنا له شكلين، واحد يُقاس بالأرقام، وواحد يُقاس بما تغيّر في القاريء نفسه.

أرشح لك أيضاً كتب د. عماد رشاد عثمان أكثر من ممتازة وكتب د. محمد طه بالأخص كتاب علاقات خطرة، هذا الكتاب له فضل كبير في تغيير تفكيري بدرجة كبيرة، ومراجعة علاقاتي من البداية وأولها مع نفسي.

أغلبنا فعلاً دخل عالم الوعي النفسي من بوابة كتب مثل . كتب د. عماد رشاد عثمان و خاصة د. محمد طه كانت بالنسبة لناس كتير أول مرة يشعرون إن هناك شخص يضع يده على الوجع ويسمّيه باسمه

لكن في زاوية غالبًا بتغيب عن النقاش. المشكلة في اللحظة التي يقف عندها القارئ ويشعر أنه فهم فيبدأ في ان يحاكم كل من حوله بمصطلحات نفسية جاهزة اصبحت تريند الان مثل : سام، نرجسية، علاقة مؤذية (توكسيك). فالوعي الذي من المفترض يفيد، تحوّل ل(موضة) للحكم على الناس للاسف.

عندما يتحول الكتاب لسلعة، يجعل الكاتب أحيانًا يكتب وهو ينظر للسوق وليس الإنسان، فيخفّف، ويبسّط، ويمكن يبالغ، حتى ينتشر الكتاب ويباع، المشكلة ليست الرغبة في الانتشار، رغبة طبيعية، المشكلة عندما يتنازل الكاتب عن القيمة نفسها مقابل الانتشار.

تجربة كتب د. محمد طه تكشف زاوية مختلفة. الكتب جعلت الناس تشعر إن اخيرا شخص يكتب بصدق. من ناحية اللغة، و الإحساس و إن الكلام نابع من فهم وتجربة، وليست وصفة تسويقية جاهزة. اعتقد هذا ما يجعل أثرها أعمق حتى لو لم تكن الأكثر مبيعًا.