ما بين الحياة والتراث الصيني قد تجد الطَّريق

بينما يميل الطابع العام للفلسفات الأخرى إلى البحث عن الحقيقة،

تتجه الفلسفة الصينية إلى أن تكون بحثًا عن الطريق،

فتركّز على قيمة التجربة،

ولا تهدف إلى تعريف الحياة بل إلى مساعدتنا على عيشها بانسجام وتوازن.

يقودنا مفهوم الطاو (الطريق) في الفلسفة الصينية - - وهو ما ذكر في كتاب "الطريق إلى الفضيلة" لِ لاو تسه"- إلى معنى الفعل بلا جهد،

حيث ترى أن كثيرًا من مساعي البشر تسير بعكس تيار الطاو،

فنجد أنفسنا أمام المشقّة والمقاومة:

كمحاولتنا السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه —

مشاعر الآخرين نحونا، أو إنتاجيتنا رغم الإرهاق —

فنُثبت نظرنا على نقطة محددة، فنفقد التيار كلّه.

كمن يحاول أن يسبح ضدَ تيارِ النهر فَيُرهق ويفشل في النهاية.

سأل تلميذٌ معلمه:

> كيف أعيش وفق الطاو؟

فأخذ المعلم ورقةً من الشجرة،

وألقاها في الهواء.

راحت الورقة تدور وتهبط بهدوء،

ثم استقرّت على الأرض دون أن تقاوم.

.

قال المعلم:

> “الورقة لم تختر الريح،

لكنها لم تعادها أيضًا

هكذا من عرف الطريق —

لا يُجبر، ولا يُجرّ.”

.

إن الهدوء والطمأنينة، إن كانا ممكنين، هما إعادة الانسجام مع الطاو،

أو كما نسميها: السير مع التيار.

ولا يعني هذا استسلامًا سلبيًا أو فقدانًا للعزيمة،

بل هو الفعل العفوي غير المجهد — وو وي (Wu Wei) —

أي الوصول إلى حالة طبيعية غير مصطنعة.

في هذا المفهوم، نبذل جهدًا كي نتخلى عن الجهد،

ثم نزيد انسجامنا مع الفعل تدريجيًا،

حتى تزول الفجوة بيننا وبينه،

فيصبح سلوكنا عفويًا طبيعيًّا صحيحًا؛

مثلما نتعلّم ركوب الدراجة، نترنّح أولًا ثم نسير بلا جهد تفكيرٍ إلا فيما يلزم،

كالعصفور قبل أن يتعلّم الطيران،

وكالقطّ قبل أن يتقن تسلّق الأشجار.

.

وأجد كل ما قلت مختصرًا في قولِ "لاو تسه" :

"من يعرف متى يكفّ عن القتال، يعرف النصر".


التعليق السابق

شكرًا على تعقيبك الراقي

صحيح أن الفلسفات عمومًا تهتم بالبحث عن الحقيقة، والفرق جوهري بين الفلسفات الغربية والصينية كما يشير الباحثان ديفيد هال وروجر آيمز ، الفلسفات الغربية غالبًا ما تكون “truth-seeking” أي باحثة عن الحقيقة المجردة، المعرفة، الخير، والعدالة، بينما الفلسفة الصينية، مثل الطاوية، هي “way-seeking” أي باحثة عن الطريق،

الطاوية تهتم أكثر بـكيفية العيش بشكل متوازن بدلاً من صياغة نظريات مجردة عن الحقيقة، وهي أيضا بحث ولكن يمكن فهم “الحقيقة” فيها بالمعنى العملي والوجودي للطريق (Dao)، وليس بالمعنى النظري المجرد كما في الفلسفات الغربية.

هذا ما قصدته نوعا ما، ولم أقصد تجريدها من طبيعتها بالطبع...

لا للحقيقة أنا أختلف مع رأي الباحثين، أي باحث في الفلسفة يعرف أن الطريق والحقيقة هما نفس الشيء، والأهم من هذا كله يا محمد هو أنه علينا أن نفرق بين أنواع الفلسفات وانواع الحقيقة وأهدافها، عندما نتحدث عن الحقيقة المجردة أو النظرية نكون أمام الحديث عن الفلسفات الأوربية تقريبا، لأن الفلسفة التجريدية هي اختراع أوربي تنويري بامتياز، أما الفلسفات ما قبل الأوربية فهي في أغلبها فلسفات عملية حتى لو ظهرت في شق كبير منها تجريدي، مثلا فالفلسفات الهيلينية والهيلينسية كلها هي فلسفات تحدث عن حقيقة ماهو الإنسان وماهي الفضيلة التي على الإنسان أن يعيشه لكي يحقق السعادة والخلاص، فحتى أكبر الفلاسفة تجريدا مثل أفلاطون وسقراط مثلا، كانوا يمارسون الفلسفة كاتجاه عملي، فيسرون في الآغورا ويختلطون بالناس ويناقشون ويتجادلون ويعيشون الفلسفة كطريق في الحياة لا فقط في الفكر، وعندما نذهب الى فلاسفة المرحلة الهيلنسيتية سنجد أنهم أصبحوا يعيشون الحقيقة كطريقة في الحياة، لا كمجرد تفسلف، نجد مثلا فيسلوف كماركوس اوريلوس ينام على الحصير ويلبس أخف الثياب ويدفع بنفسه للجوع وهو الإمبراطور في قومه، فقط لأنه يرى أن المادة زائلة وأن التعلق بغير الحقيقة وهم ومرض، وأن المصابرة والزهد عين الحكمة، شخص كإبكتيتوس كان تُعنف من سيده - لأنه كان عبدا مملوكا- كان السيد يكسر كاحله يقسوة، والرجل لا يبدي أي نوع من الإمتعاض أو الرفض أو المقاومة، تطبيقاً لمبدأ العيش على وفاق مع الطبيعة وتحمل الألم والمعاناة باعتبارهما أصلا من أصول الحياة.

سيتمر هذا حتى العصور الوسيطى، مع فلاسفة الدين مثل توماس اكويناس و أوغيستينوس، الذين كانوا يعشون الفلسفة كطريق ومنهج في الحياة، لا مجرد تنظير والعيش على تأملات نظرية .

مع العصر الحديث بدأت الفسلفات تتجه نحو نوع آخر من التفلسف وهو التفلسف النظري القائم على الأنفضال بين القيمة والواقع مع الأسف.

لكن صراحةً أشعر أن الكلام نظريًا أو كلام منمق من الصعب تطبيقه في الحياة الحقيقية العملية خاصةً بالنسبة لشخص مسئول، لكن ربما أكون مخطئ فهل يمكنك أن تشرح لي كيف يمكن تطبيق ذلك بواقعية وبطريقة لا تتعارض مع الحياة الحقيقية؟

الواقعية في الطاو لا تعني أن "نترك العمل"،

بل أن نترك المقاومة أثناء العمل،

أن نتحرك منسجمين مع التيار بدل أن نحاربه،

فحين تكفّ عن القتال ضد ما هو قائم؛

تصبح طاقتك مركّزة على ما يمكن فعله حقًا،

مثلا أنت موظف مسؤول في عمل مزدحم.

بدل أن تحاول أن "تُنجز كل شيء دفعة واحدة"، مارس الطاو بأن تدخل في الفعل الذي أمامك تمامًا دون تشويش ذهني، ثم تنتقل لما بعده.

ستلاحظ أن إنتاجيتك لا تقل، بل تصبح أكثر صفاء وسلاسة.

يعني هو ليس دعوة للانسحاب من العالم، بل هو إيمان بأن للحياة منطقها الخاص،

وأن كثيرًا من محاولاتنا للسيطرة هي ما يسبب الألم.

حين تفشل خطة أو تتغير ظروفك،

يمكنك أن تتعامل مع الأمر لا كـ"هزيمة"، بل كـ"تحوّل في مجرى النهر"

تتعلم أن تستخدم هذا التيار لصالحك، لا ضده.

السر هنا: أنت تعمل، لكنك لا تقاتل نفسك أثناء العمل.

...

ولكن في النهاية يبقى هذا نظريا، ليس أمرًا سهلًا أن يطبّقه الإنسان، لكنها ثقافة جميلة للاستئناس أحيانا،

قد لا أملك أنا هذا القدر من التصالح

بينما قد يملك منه غيري

ولكن الأكيد أنها معرفة واتجاه من الجميل النظر إليه.