( السيولة ) هذا المصطلح الذي وضعه الكاتب والفيلسوف زيجمونت باومان والذي أثار تساؤلات كثيرة حوله بسبب تحققه بشكل كبير في الواقع الحالي، فالحياة منذ بداية عصر التقدم والتكنولوجيا أصبحت تتجه نحو السيولة واللا معنى، فبعد أن كانت الحياة قديماً تمتاز بنمط ثابت ومعروف من حيث طريقة العيش مثلاً أو العمل والحرف التي يمتهنها الناس، أصبحت الحرف الآن أكثر تنوعاً وأكثر غرابة والكثير منها بالرغم من كونه بلا معني أو بلا قيمة حقيقية إلا أنه مصدر للكثير من الأموال وأصبح اهتمام الناس الآن.
وبالرغم من أن سلسلة السيولة لباومن كُتبت في مطلع الألفية الجديدة إلا أن نظرية السيولة تظهر لنا أكثر وضوحاً من وقت لآخر، والدليل على ذلك أننا لو أخدنا هاتفنا المحمول وتصفحنا أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي مثلاً لمدة نصف ساعة سوف نجد أنفسنا قد اطلعنا علي عشرات المواضيع وعشرات مقاطع الفيديو المختلفة دون ربط بينهم، وقد تكون محصلة المعرفة في النهاية صفر.
وبالرغم من سهولة الحياة التي قدمها لنا التطور والتكنولوجيا إلا أننا أصبحنا نعيش في حالة من اللا معني واللا يقين، والأمر مستمر مع الوقت.
فالسؤال هنا كيف يمكننا استعادة المعنى وسط هذا التيه السائل؟
لا أجد مشكلة في العصر الحالي رغم عيوبه الكثيرة، فلو نظرنا إلى العصور السابقة سنجد المعاناة كانت أكبر بكثير مما نتصور، فالخدمات الطبية كانت في أدنى حد لها، لم تكن هناك تقنيات تشخيصية كأشعات الرنين المغناطيسي، وكانت عديد من الأمراض متفشية بسبب عدم وجود تطعيمات لها.
ومن الناحية التكنولوجية لم يكن باستطاعتنا التحدث لشخص في دولة مجاورة إلا بعناء شديد، ولم يكن باستطاعتنا الحصول على أي كتاب نريده وأي معلومة نريد الوصول لها..عصرنا الحالي متميز في كثير من النواحي.
أنا أيضًا لا أجد العصر الحالي بهذا السوء، فكل عصر له مميزاته وعيوبه، ويكون فيه ظواهر جيدة وسيئة، لكن العصور السابقة كان فيها نسبة كبيرة من تفشي الأمراض وقصر معدل عمر الإنسان، وكذلك كثرة الحروب والفقر وصعوبة الحصول على قوت اليوم لدى كثير من الناس، وعدم وجود قوانين وأمن، ولا حتى صرف صحي 😅
هذا حقيقي منذ 100 عام لم تكن هناك مرافق، ولا كهرباء، ولا مياه صنبور، ولا ثلاجات، ولا سخانات مياه، أو أي أجهزة كهربائية.
أعتقد أن الحياة كانت صعبة جداً، ولم يكن يهون الحياة إلا أن الناس وقتها لم يكونوا يعرفون غير هذه الحياة، لكن من المستحيل لشخص عرف الأدوات الحديثة أن يحيا عدة أيام بالطريقة القديمة😅
ولكن كانت الناس تشعر بالراحة النفسية، كل الأمور واضحة وكل الأمور حقيقية، أما الآن مع توفر كل هذه الأمور هل نشعر فعلاً بالراحة النفسية وأن كل شيء على ما يُرام أم أننا ما زلنا تائهين ؟
لا يا أخي محمود لم يكن الناس يشعرون بالراحة النفسية، كانوا يعانون مثلنا وربما أكثر منّا، وسأعطيك مثالين عن المعاناة: نحن نعلم يقيناً من الكتب وجود حالات نفسية عصابية وذهانية كثيرة بأعداد أضعاف عصرنا الحالي (معاناة المرض النفسي).
كما نعلم يقيناً وجود الفلاسفة والشعراء الذين كانوا يشعرون أنهم تائهون ودفعهم ذلك لاكتشافاتهم أو شعرهم وكتاباتهم (معاناة حيرة الهدف والعلم).
ربما نقوم بعمل تجربة على من لا يعجبهم هذا العصر، نجلعهم يعيشون بأكواخ أو كهوف لمدة شهر بدون مصادر مياه ولا كهرباء ولا صرف صحي ولا أجهزة ولا اتصالات ولا دواء وحماية من حيوانات ولا حشرات ولا لصوص ونتمنى لهم الحظ السعيد 😅
ثم نعود بعد هذا الشهر لنرى هل تغير رأيهم أم لا؟
أعتقد أن ثلاثة أيام كافية، وستظهر بعدها نتيجة تجربتنا هذه😅
صعب جداً على من تعود على وسائل الراحة، أن يتناول وجباته حتى بدون معلبات العصر الحديث، وبدون موقد ومياه صنبور جارية، وطعام محفوظ في التلاجة..
سنحتاج أن نجمع الثمار للفطور - إذا وجدناها.
وأن نصطاد حيوان ونوقد ناراً على الغداء، ولنأمل أن يكون الجو غير ممطر😄
ولكن ترتيب الحياة كان معروفاً والجميع يعلم ما هو عمله وما هو مشواره في الحياة ويعلم في أغلب الأحيان كيف ومتى سيتزوج ويستقل بحياته، أما الآن فنصل إلى سن العشرينات من عمرنا ونجد أنفسنا غارقين في بحر كبير ولا نستطيع تحديد وجهنا، لا ننكر التقدم العلمي والطبي وكل هذه الأمور، ولكن ما هو مرود هذا علي الإنسان بكونه إنساناً يتطور ويبحث عن الكمال.
الكتاب يتكلم عن جوهر الأمور وهو في الأصل يعترف بالتقدم التكنولوجي، ولكنه يوضح أن هذا التقدم جعل الحياة أكثر سيولة وبلا معنى، أعطيك مثال في التقدم العمراني ظهر بشكل ملحوظ التجمعات السكنية عالية الرفاهية والتأمين، الرغم من أن هذه المجتمعات هي دليل على التقدم وغاية لمن يُحب الرفاهية والخصوصية إلا أنها تخلق بشكل أو بآخر نوع من التخوف داخل الناس، فمثلا الأماكن الشعبية التي تتلاصف فيها البيوت والشقق تجد سكاناها أكثر أماناً وأكثر حيوية وفاعلية من تلك التجمعات السكنية المغلقة.
أنا شخصياً دخلت أحد المجتمعات السكنية الفاخرة تلك ووجدت فيها وحشة شديدة وصمت رهيب والجميع يخاف أن يتعامل مع الغرباء، وتمنيت وقتها أن أخرج من المكان في أسرع وقت.
فبرأيك هل هذا التقدم العمراني يجعل الحياة أفضل من السابق أم يجعلها أكثر خوفاً وأكثر سيولة؟
التعليقات