كتاب علم النفس دينا: كيف جعلتنا كتب التنمية الذاتية نعيش في مجتمع من النرجسيين؟

تصادفني كثيرا عبارات مثل أنت تستطيع ولا أحد يمكنه كسرك فأنت أقوى من في الأرض وأنت استثنائي وغيرها من الكلمات الرنانة التي تحفزك لتحقيق الذات سواء في دورات تدريبية "لايف كوتشينج" أو مقالات أو كتب التنمية الذاتية التي يكاد يكون عددها أكبر من عدد قرائها.

وصراحة هذا الأمر يعود بالسلب على الأفراد والمجتمع في نفس الوقت ويساهم في نشر صورة مغلوطة عن مفهوم علم النفس كما يقول عالم النفس بول سي مؤلف كتاب علم النفس دينا " أن علم النفس تحول إلى دين وأيديولوجيا، وأصبح يعتمد على المشاعر أكثر من اعتماده على العلم، فصار جزءًا من مشكلة المجتمع المعاصر، وليس جزءًا من الحل." ومقصده أن ما نراه من تمجيد للذات وحبا فيها من خلال علم النفس الذاتي أدى إلى تعزيز القيمة الفردية مما جعلنا نرى حولنا العديد من النرجسيين المحبين لذواتهم ويبحثون عن العلاقات سواء عمل أو صداقة أو ارتباط بمبدأ البحث عن الفائدة والمنفعة الشخصية. وكم من الكتب منتشرة ربما صادفكم أحدها أو أطلعتم عليها من كتب التنمية الذاتية تمجد في الفرد وتتحايل لإقناعك بأنك أفضل من غيرك! فهل جعلتنا كتب التنمية الذاتية نشعر بالمزيد من الاستحقاق وحب الذات؟

ومن يومين تقريبا شاهدت فيديو من داخل دورة تدريبية بها المئات يرددون وراء المدرب " أنا أستطيع" بتكرار لمدة دقائق ولا أرى بأي حال أن هذا له علاقة بعلم النفس من قريب أو من بعيد فتأثير تلك الأجواء لحظي ويختفي مفعوله بسرعة وما يبقى منه في مخيلة مستقبله ما هو إلا انطباع عن تقدير الذات المبالغ فيه.


هذه الكتب تعبث بعقولنا حقا. هي تصنع نوع من الثقة بالذات الذي لا نحتاجه والذي يتحول لغرور. أصلا من قال أن ما ينقص شعوبنا الثقة بالذات؟ بالعكس ما ينقصنا هو أن نكون شعوب أكثر تواضعا. ولكن اليوم ما أراه أن هذه الكتب تحمل التأثير الذي لا نحتاجه ابدا. والمفارقة هنا أنني أجد أن اكثر ما يطورنا هو تجاربنا وليس مجموعة أو حفنة من كتب التنمية البشرية لأنها تبقى نظرية ولا تحمل أي خبرة عملية. لذلك أنا لا أقرأ هذه النوعية بكثرة إلا في حالة الكتب المتميزة جدا.

الأسوأ، أن المدافعين عن هذا النوع من الكتب، لا زالوا متمسكين بالفكرة الشاعرية حول كون الكتاب، شيء عظيم لا يجب نقده، وكل كتاب مفيد بشكل أو بآخر، هي فكرة رومانسية حالمة، كانت صحيحة أيام كان يكلف صنع الكتاب من المرء وقتا قد يكلفه عمره، وجهدا قد يفني بدنه، ومالا قد يقعده على الحديدة، وموارد عقلية قد تذهب بعلقه. كانت صناعة الكتاب صعبة، تدوينا ونسخا، تأليفا وجمعا، طباعة صعبة في كل مراحلها. لا أحد كان ليكتب إلا شيء مفيد في العادة. اليوم، الجميع يكتب، وفي عصر الصحافة الحرة أو شبه الحرة، والذكاء الاصطناعي، والتسويق، أصبحت الكتب، مثلها مثل قنوات إعلامية أخرى كالأفلام والتلفزيون والبرامج الساخرة أو التافهة. بالتالي، يوجد كتب جيدة، وأخرى سيئة. هناك من يتباهى بأنه لا يندم أبدا على قراءة كتاب. لا .. العمر قصير، ولا وقت لدي لقراءة كل الكتب، إما أن أستمتع، وإما أن أستفيد. إذا لم يتحق ذلك أو ذاك، فلا جدوى من الكتاب، وهو فقد قيمته المحددة لوجوده أصلا.