كتاب العبرات: الهجرة للدراسة في الغرب، نكران جميل أم ضرورة مفروغ منها؟

  • Naoual_A
"ذهب بوجه كوجه العذراء يوم عرسها وعاد بوجه كوجه الصخرة الملساء تحت الليلية الظامرة، وذهب بقلب طاهر نقي يأنس بالعفو ويستريح إلى العذر وعاد بقلب ملفف مدخول لا يفارقه السخط على الأرض وساكنيها، والنقمة على السماء وخالقها،وذهب بنفس غضة خاشعة ترى كل نفس فوقها، وعاد بنفس ذهابة نزاعة لا ترى شيئا فوقها، ولا تلقي نظرة واحدة على ما تحتها، وذهب برأس مملوء حكمة ورأيا وعاد برأس كرأس التمثال المثقب لا يملؤه إلا الهواء المتردد، وذهب وما على وجه الأرض أحب إليه من دينه ووطنه، وعاد وما على وجهها أصغر في عينيه منهما"

هكذا وصف مصطفى لطفي المنفلوطي أولئك الضعفاء من الفتيان العائدين من تلك الديار الغربية إلى أوطانهم، فيقول "إنما هي أصباغ مفرغة على أجسامهم".. فإزاء إقامتهم هناك رأوا التقدم والحضارة والتكنولوجيا في خدمة الإنسان، وتعرفوا عن قرب على الحرية. فأصبحوا نادمين على السنين التي أفنوها في البلدان العربية "المتخلفة" وانغمسوا في ذلك المستنقع المغلف بالذهب والمرصع بالألماس واللآلئ.

والحقيقةأننا كشباب نطمح إلى الهجرة إلى الخارج والتعلم هناك خصوصا بالنسبة لأصحاب الشعب العلمية، لأن تلك البلدان توفر لهم البنية التحتية للبحث العلمي وإنجاز التجارب واختبار النظاريات وتفتح لهم آفاقا واسعة وفضفاضة، فأنا كطالب مجد ومتميز، أليس من حقي أن أنعم بكل هذه الامتيازات؟

ولكن سرعان ما تتصاعد أصوات الأهل والناس عامة: أنتم خائنون لأوطانكم، لقد تغذيتم من ثمار أشجار الوطن وشربتم مياه ينابيعه وتعلمتم في المدارس التي بنيت لكم من أموال الشعب، فكيف لكم أن تتركوه بهذه البساطة؟ وكيف لكم أن تسمحوا للأوطان الأخرى بأن تقطف ثمارا يانعة وجاهزة سقتها أوطانكم بعرق جبينها ودماء شهدائها؟ ناهيك عن تخوف الأسر مما قد يلحق بأخلاقك ومعتقداتك نتيجة تعاملك مع أناس بدون قيود ولا أعراف.

ولقد أطلت التفكير في الموضوع ولم أستطع أن أصل إلى جواب واضح ومرض لخاطري، هل قراري بإتمام دراساتي العليا في الخارج ومن ثم العمل هناك -نظرا لانعدام التخصص الذي أفضله هنا في بلدي- نكران جميل أم ضرورة مفروغ منها؟ وهل يمكن لتلك الديار أن تقودني إلى ما تحدث عنه الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي من انحلال أخلاقي واجتماعي؟ أم أنني سأكون قادرة على الحفاظ على مبادئي وقناعاتي رغم كل شيء؟  


وهل يمكن لتلك الديار أن تقودني إلى ما تحدث عنه الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي من انحلال أخلاقي واجتماعي؟ أم أنني سأكون قادرة على الحفاظ على مبادئي وقناعاتي رغم كل شيء؟ 

تلفتني هذه العبارات جداً أثناء حياتي وأسمعها كثيراً منّا كعرب، مسألة هل يمكننا الحفاظ على مبادئنا إن سافرنا وقناعاتنا؟ وللأمانة أعتقد أنّ هذا السؤال وهم غريب نعيش به، وهم حقيقي، عن أي مبادئ نتحدّث وعن أي قناعات؟ أعتقد أنّ المنطقة العربية وشعوب المنطقة العربية تحمل في الفترة الأخيرة من نسب جرائم سواء شعبية على مستوى حروب أو جنائية ما يزيد على 10 أضعاف تقريباً (على الأقل) بحسب إحصائيات قابلة للدراسة بالأرقام، وبالنسبة للفساد نحن تقريباً سبّاقين بمستوى خيالي على تلك البلدان، بمستوى الضمير المهني وأخلاقياته تقريباً لا نعرف لوائح بهذا الأمر نهائياً وغير موجود ضمن ثقافتنا المهنية.

لذلك أعتقد أنّ هذا الأمر مبالغة كبيرة منّا، مبالغة كبيرة أن نتحدّث عن انحلال أخلاقي واجتماعي نحن (ليس برأيي) بل (بالأرقام) حققنا مستويات أعلى بكثير منه، وربما ما يجعلنا نقع بهذا الوهم، هو الاستحقاق التراثي السابق، ماضينا الرائع كعرب، نحن تلقائياً ننسب أنفسنا لأبطال السابق وأصحاب حضارة العرب السابقين بالوطن العربي، الحضارة الإسلامية التي كانت نور كبير بالسابق، أما الأن فأعتقد أنّ الأمر وهم، ألا تتفقين معي حضرتك مع هذا الطرح؟ أعتقد أنّ العكس صحيح، قد نتعلّم الانضباط الاجتماعي والأخلاقي والقانوني بذهابنا بعثات خارجية وخاصة للتعليم.

ومشكلتنا نحن أيضاً أننا نتغاضى عن رؤية مساوئ بلدانهم، ولكننا نطرب أثناء تعداد مصائب بلداننا، أنا لا أرى أن على هذه الأرض بلد كجنة وبلد كنار، كلهم يحملون من المساوئ ما تكفيهم، وإن تطوروا في جانب فقد تخلفوا وتراجعوا في جانب آخر، الجرائم والعصابات موجودة في بلاد الحضارة والتقدم وبنسب كبيرة ومرعبة، وعالمياً مستويات العنف والجريمة في تزايد، ولكننا من نختار رؤية شيء والتغاضي عن شيء آخر.

المعادلة بسيطة جداً، كما أن لبلادنا عيوباً ومميزات، بلادهم أيضاً فيها بدون الحديث عن النسب .. عندما نخرج من بلادنا لنتحصل على امتيازات أفضل في بلادهم من الناحية العلمية أو المعيشية، فهذا لا يعني بالضرورة أنهم كمنظومة اجتماعية يتفوقون علينا .

الجرائم والعصابات موجودة في بلاد الحضارة والتقدم وبنسب كبيرة ومرعبة، وعالمياً مستويات العنف والجريمة في تزايد، ولكننا من نختار رؤية شيء والتغاضي عن شيء آخر.

هذه المسألة ليس لها علاقة بما نختار رؤيته وما نختار تجاهله، هذه المسألة ليست نسبية معيارية، هناك ارقام تدوّن وإحصاءات يقام بها على الدول جميعها وكل تلك الأرقام تثبت وبالدليل القاطع تخلّفنا من الناحية القانونية ومستويات عالية جداً من الفساد ونسبة جريمة مرعبة.

فهذا لا يعني بالضرورة أنهم كمنظومة اجتماعية يتفوقون علينا

المسألة ليست من يتفوّق على من، نحن نفتقد أصلاً لهذه المنظومة التي نتحدّث عنها، افتحي على مسألة الطلاق الأسري والعنف الأسري، ستصدمين بمنظومتنا (إن أردتِ تسميتها كذلك) وستصدمين أكثر بطريقة تعاملنا قانونياً معها وطريقة حل مشكلاتنا، أنا برأيي لقد طوّرنا فجوة أخلاقية اجتماعية اقتصادية مع المجتمع الأوروبي صارت غير قابلة للردم وهذا ليس أمراً نسبياً، أستطيع نقاش حضرتك ضمن أي زاوية تريدين الكلام عنها مدللاً على كلامي طبعاً متخليّاً عن رأي الشخصي.

Taqwa_Mubarak أضف ردا

إذاً يبدو أن المقارنة من الأساس عبر جمع الدول العربية جميعها في عنصر واحد غير منطقية، لأنه حتى المجتمعات العربية ليست سواء، وهناك دول عربية تتفوق في قانونها، ودول تتصدر في الأمان، وفي المقابل توجد دول نخر فيها الفساد كل زاوية، لذلك جمعها وتصنيفها في المراكز الدنيا سيبدو غير منصف .

ولكن هناك بعض المشاكل لا يراها ولا يلمسها سوى أهل البلد نفسه أو الذين فاقت إقامتهم عقوداً، فتجد الطالب الذي لم تتجاوز سنوات إقامته خمس سنوات منبهر بما رآه من تقدم في تلك الدولة الأجنبية بينما هناك من قضى عقوداً ويشعر بالإختناق من المعيشة فيها .

وإذا جئنا للمنظومة الإجتماعية فتلك المجتمعات لا منظومة اجتماعية لديها من الأساس، مجتمعات فردانية لأبعد حد، فما نفع تطور الآلة إن لم ترقى نفس الإنسان ؟

أنت تحدثني عن نسب الطلاق في العالم العربي، وأنا أحدثك عن مجتمعات لا يتزوجون فيها من الأساس لأنه لا تقوم بينهم ثقة، فتجد الرجل يخشى على أملاكه من أن تذهب إلى طليقته بعد الطلاق، فيختار أن لا يتزوج من الأساس ثم يموت وحيداً في سريره ولولا رائحة جثته لما علم أحد بموته .

أنا لا أتحدث عن الأخلاق والمبادئ الإنسانية التي لا مرية في أنهم متقدمون علينا بأشواط فيها، ولكنني أقصد المبادئ الدينية والعقدية وكل ما يتعلق بالتقاليد والأعراف، مثلا قواعد العلاقات بين الرجل والمرأة واللباس الشرعي يعني الحجاب -وهذا ما يتحدث عنه المنفلوطي بالضبط- وغيرها من الأشياء التي لا يلتزم بها الغرب ولكنها تعد جوهرية بالنسبة للثقافة العربية، لن أخالفك في كون الكثير من العرب قد تخلوا عنها ولكن لن ننكر في نفس الوقت وجود عدد كبير من الأسر المحافظة في مجتمعاتنا.

أنا لا أتحدث عن الأخلاق والمبادئ الإنسانية التي لا مرية في أنهم متقدمون علينا بأشواط فيها،!!!

كيف حكمت بذلك نوال؟!..

فبالرغم من المساوئ التي سبق ذكرها ببعض مجتمعاتنا العربية، لا تعميم ذلك الحكم بناء عليها.. فعن أي أخلاق نتحدث بمجتمعات تُبيح بعضها معظم ما نعتبره جرائم وكبائر لدينا؟!

وعموما موضوع الأخلاق نسبي تماما؛ لذلك لا يصح من الأساس مقارنة مجتمعات تختلف معايير ومقاييس الحكم الأخلاقي لدى كل منها..

Naoual_A أضف ردا

نقصد بالأخلاق الإنسانية الأخلاق العالمية والتي تؤمن بها جميع الأمم والديانات كالعدل والصدق والأمانة والانضباط والاحترام. لا يمكننا إنكار أنهم -كأفراد- متقدمون عنا في هذا المجال بسنوات ضوئية، وأنا أٌقصد الأفراد لا الدول.

Amany11 أضف ردا
أنهم -كأفراد- متقدمون عنا في هذا المجال بسنوات ضوئية، وأنا أٌقصد الأفراد لا الدول.

وانا أيضا أتحدث عن الأفراد نوال.. فنحن مثلا، لم نجري مسح شامل لكل أفراد مجتمعاتنا، لنجزم بعدم وجود نماذج مماثلة لتلك النماذج المثالية "أخلاقيا" التي تفترضين وجودها بالغرب دون غيره!

بالطبع مبدأ التعميم مرفوض يا أماني في أي سياق، ولكننا نتحدث عن الشائع، لو تحدثنا عن الإنسانية فالغرب يمتلك إنسانية أكبر. قد يكونون بلا دين، لكن إنسانيتهم موجودة وسيعاملونك بالآدمية التي تستحقينها.

دعكِ من كل هذا، نحن أصلًا على أرضنا العربية نحاول تقليدهم في كل شيء، ولعل هذا هو السبب في محو هويتنا التي نحاول التمسك بآخر ما تبقى منها. حزينة جدًا وأنا أقول إن بلادنا لم تعد عربية بالشكل الكافي، ولم تصبح غربية بشكل يليق، نحن نعيش في بلاد كالمسخ.