13

ما هي حدود الفطرة الإنسانية؟ وما هي الفطرة أصلاً!

هل الفطرة هي هذه العادات التي وجدنا عليها أبائنا وتربينا عليها كبديهيات فأصبحت فطرة نعتقد جميعاً بأنها من المسلمات التي ننطلق منها، أم أنها ميل عقلي للأخلاقيات المتعارف عليها والميول الحيوانية داخلنا! كالجنس والأكل وخلافه.

رأينا الكثير من المجتمعات الأخرى لديهم إختلاف حقيقي في فطرتهم عننا، كهؤلاء الوثنيين الذين كانوا يقتلون أبائهم عندما يفتك بهم المرض رحمة بأبائهم وخوفاً عليهم من المعاناة!، أو الذين كانوا يوئدون البنات من أبنائهم وأحفادهم رغم أن الفطرة الإنسانية هي حب الإبن كما يُقال لكن رغم ذلك كانت فطرة هؤلاء مختلفة فكانوا يكرهون ويُحبون حسب النوع لأن ثقافتهم تجرهم لذلك.

أيضاً في العصر الحالي نرى إختلافاً جذرياً بين الثقافة العربية والغربية مثلاً، يتحدث العرب على أن الغيرة من الفطرة، بينما نرى المجتمع الأوروبي يتحرر منها تماماً، فما هي هذه الفطرة التي يتحدثون عنها ونجدها نسبية من مجتمع لأخر؟ هل هي نتاج خاص بكل ثقافة تتشكل بالوراثة تأثراً بالمعتقدات السائدة؟ أم أنها فعلاً فطرة مخلوقة بداخلنا؟ وإن كانت هذه الفطرة مخلوقة معنا فلماذا تتغير من مجتمع لأخر ومن زمن لأخر


إذا كان قتل الأب رحمة فطرة عند مجتمع، وحبه فطرة عند آخر، فأي معنى للفطرة يبقى؟ لكن دعني أسأل: ربما سؤالك عن "الفطرة" هو سؤال خاطئ من الأساس.

الذي نسميه "فطرة" هو في الغالب "بديهيات ثقافية" نعيش فيها منذ الصغر. لو ولد طفل أوروبي في أسرة عربية لنشأ "غيورا"، ولو ولد طفل عربي في أسرة أوروبية لاستغرب من مفهوم الغيرة. الفطرة ليست جامدة، بل قابلة للتشكل.

أما الميول الحيوانية كالجنس والأكل، فهي غرائز مشتركة، لكن "كيف" نأكل و"متى" نمارس الجنس، هذا كله ثقافة لا فطرة. الغرائز ثابتة، والسلوكيات متغيرة.

إذا، الفطرة الحقيقية ليست في محتوى الأخلاق، بل في القدرة على خلق الأخلاق ذاتها. الفطرة أنك كائن اجتماعي يحتاج إلى تنظيم علاقاته. الشكل يتغير، لكن الحاجة الإنسانية الأساسية هي الثابت.

لذلك، الاختلاف بين المجتمعات ليس خروجا عن الفطرة، بل هو تنوع داخل الفطرة الواحدة

صحيح أن البيئة تؤثر بقوة على الإنسان، لكن هذا لا يعني أن كل شيء قابل للتشكيل، هناك مشاعر ومبادئ تبدو مشتركة بين البشر بدرجات مختلفة، مثل النفور من الظلم أو التعاطف مع الضعيف أو تعلق الإنسان بأسرته، حتى لو اختلفت طرق التعبير عنها بين مجتمع وآخر.

كذلك، القول إن الفطرة مجرد قدرة على صناعة الأخلاق لا يفسر لماذا تتكرر بعض القيم الأساسية في أغلب الحضارات رغم اختلاف الأزمنة والثقافات. فوجود التنوع لا يعني بالضرورة غياب الأصل المشترك. ربما تتغير التفاصيل والعادات، لكن هذا لا ينفي أن هناك جذورًا إنسانية أعمق من مجرد التشكيل الثقافي وحده.

هذه المشتركات الإنسانية موجودة لكن في عصرنا الحالي فقط، في العصور السابقة لم يكن لهذه المشتركات وجود، كانت هناك عنصرية تجاه العبيد، أصلاً قبول فكرة العبيد في حد ذاتها تهدم هذه النظرية بالكامل، أعني نظرية المشتركات، أيضاً كان الظلم مقبولاً بل ومستحباً إن كان ضد مجتمع أخر، أنظري لثقافة الفايكنج أو المغول أو أو، كان الظلم مقبولاً بل ومنطقياً، ولماذا نذهب للفايكنج والمغول، نحن عرب وتاريخنا الدموي ليس ببعيد ولازلنا نتفاخر بأننا فتحنا الاندلس وفتحنا كذا وكذا وحصدنا الجزية من كذا وكذا، وأسرنا كم ألف إمرأة من هنا وكم من هناك، هذه الهمجية لا تعني لها الأخلاق والمبادئ المشتركة شئ بل ولا تشترك فيها أصلاً

أيضاً تكرار بعض المبادئ والقيم الأساسية في الكثير من الحضارات هو سببه الأساسي أن هذه الحضارات إعتمدت على العلم والتاريخ للتعلم من أخطاء الحضارات السابقة عليها، ولذلك نشأ وتطور علم الإجتماع والقانون والعدل إلخ، وهذا يدل دلالة ظاهرة على أن هذه القيم التي نراها مشتركات إنسانية اليوم هي نتيجة تطور معرفي مستمر عبر أجيال وأجيال، وربما الكثير من المسلمات الأخلاقية التي نراها اليوم منطقية تُصبح بعد أجيال يسيرة غير أخلاقية مع التطور الإنساني الذي يحدث، لذا لا أعتقد أبداً أن هذا هو تعريف الفطرة فعلاً

يمكن النظر إلى التاريخ بشكل أوسع قليلًا، لأن فكرة أن الإنسانية لم تكن موجودة في الماضي قد تكون نتيجة قراءة انتقائية للتاريخ. صحيح أن هناك فترات ساد فيها العنف والعبودية والحروب، لكن في المقابل كانت هناك دائمًا أصوات وممارسات مضادة لهذا الاتجاه، حتى لو لم تكن هي الغالبة أو الأكثر نفوذًا. وجود الظلم لا يعني غياب الفطرة الأخلاقية، بل يعني أن الصراع بين المصلحة والقيمة كان دائمًا حاضرًا، لكن ميزان القوة هو الذي كان يحسم لصالح أحدهما.

و كثيرًا من القيم الأساسية ظهرت بشكل متكرر عبر ثقافات مختلفة وفي أزمنة متباعدة، حتى قبل تشكل العلوم الحديثة كما نعرفها اليوم. فالقانون والعدل والتقليل من الظلم لم تظهر فجأة نتيجة وعي معاصر فقط، بل هي امتداد طويل لتجارب بشرية متراكمة، تطورت وصيغت بشكل أكثر تنظيمًا مع الزمن. لذلك قد يكون الأقرب للواقع ليس إنكار الفطرة أو تثبيتها بشكل جامد، بل فهمها كميل إنساني موجود، يتأثر ويتشكل ويتطور، لكنه لا يُستحدث من العدم ولا يختفي تمامًا في أي عصر.

أن تكون قيم يميل البعض لها ويبذلون الغالي والنفيس لنشرها شئ وأن تكون فطرة الجميع مفطور عليها منذ الولادة شئ أخر، فإن كانت فطرة بالفعل فالمفترض أن تجد دائماً من يميل لها ولتنفيذها ولتلبية الداعيين لها والمحاربين لأجل نشرها، والواقع يقول أن هؤلاء الذين إختاروها كانوا في الكثير من المجتمعات والعصور منبوذين ومضهدين بل ولا يُستجاب لهم إلى من قلة قليلة جداً وقد تعود هذه القلة وتكفر بهم أيضاً، لذا هي ليست (فطرة) هي (ثقافة) مبنية على عقل واعي ومدرك ومتطور، ولذلك قد لا يجد من الأتباع من يُنصفه في الكثير من العصور والمجتمعات التي لم تملك نفس الدرجة من الوعي المتراكم

لكن عامة الفطرة لا تُقاس بعدد المتبعين أو بدرجة قبول المجتمع لها، بل بوجود استعداد داخلي لدى الإنسان يتجلى بأشكال متفاوتة حسب الظروف. فالمجتمعات قد ترفض قيمًا إنسانية في لحظات تاريخية معينة تحت ضغط الجهل أو السلطة أو المصالح، لكن هذا لا يعني أن هذه القيم غريبة عن الطبيعة البشرية نفسها.

ولا تنسي ان هذه المبادئ تظهر بشكل مستقل في حضارات متباعدة لم يكن بينها تواصل كافٍ، مثل الميل إلى العدل أو التعاطف أو رفض الظلم في صور معينة. هذا التكرار الواسع يشير إلى أصل إنساني مشترك، حتى لو اختلفت درجة تطبيقه وتفسيره.

هي تظهر بشكل مستقل في حضارات متباعدة لأن هناك أنبياء وحكماء كانوا يأخذون على عاتقهم مهمة تذكير الناس بهذه الأخلاق والقيم، وليست لأنها مزروعة أصلاً داخل الناس أنفسهم، هناك فرق بين أن تكون داخل الناس وبين أن تجد من يحاول نشرها، فرق هائل بين التفسيرين، الميل للعدل أو التعاطف لم يكن أبداً أصلاً مشتركاً بين الناس بل نمى عبر أجيال وأجيال حتى أنتشر، لكن قديماً لم يكن موجود، كانت هناك ثقافات وحضارات كاملة قائمة بشكل أساسي على التعدي وعلى إحتقار الأخرين، ضربت لكي بعض الأمثلة من قبل، نحن علينا أن نفرق بين الفطرة والثقافة، الفطرة يجب أن يكون لها وجود حقيقي داخل كل مننا منذ ولادته، أما الثقافة فتُكتسب فيما ويقل عدد الذين يتبنونها أو يكثر

لا تنسي جانبًا مهمًا في تكوين السلوك الإنساني. وجود استعدادات نفسية مثل التعاطف وتجنب الأذى والبحث عن العدالة والذي لا يحتاج بالضرورة إلى نقل ثقافي مباشر حتى يظهر، بل يمكن أن يتشكل بشكل طبيعي مع تطور المجتمعات البشرية واحتياجها للتعايش والاستقرار. لذلك تشابه بعض القيم بين حضارات متباعدة لا يُلزم تفسيرًا واحدًا يقوم على “النقل” فقط.

وايضا وجود أنظمة عرفية بدائية كانت تنظم العلاقات وتقلل من الفوضى حتى في أبسط المجتمعات. صحيح أن تطبيق العدل كان متفاوتًا ومشوّهًا أحيانًا، لكن هذا لا يعني غياب جذوره تمامًا. الأرجح أن القيم الأخلاقية ليست إما فطرية كاملة أو مكتسبة بالكامل، بل مزيج يتطور مع الإنسان والمجتمع معًا.

هناك مشاعر ومبادئ تبدو مشتركة بين البشر بدرجات مختلفة، مثل النفور من الظلم أو التعاطف مع الضعيف أو تعلق الإنسان بأسرته،

نظرياً الكلام صحيح. لكن على أرض الواقع لماذا نرى كيانات ودولاً كاملة قائمة على قتل الآخر والظلم البين من أجل مصالح خاصة؟ بل ويبررون أفعالهم بنصوص من ديانات محرفة كما يفعل أحفاد القردة والخنازير في فلسطين أو يبررون أفعالهم التي قتلت ملايين البشر حول العالم بأكاذيب وتلفيقات كما تفعل أمريكا؟

وجود أنظمة أو جماعات تمارس الظلم لا ينفي وجود القيم الإنسانية المشتركة بين البشر، بل يدل على أن هذه القيم نفسها قابلة للتجاوز تحت تأثير المصالح والسلطة والخوف والدعاية. فالتاريخ مليء بأمثلة لانحرافات بشرية، لكن في المقابل أيضًا مليء بحركات مقاومة وعدل وإصلاح، مما يعني أن الفطرة الأخلاقية ليست غائبة، لكنها ليست دائمًا هي التي تحكم القرار السياسي أو الجماعي.

فالمسألة ليست أن القيم غير موجودة بل أن تطبيقها يتأثر دائمًا بموازين قوة ومصالح، وهو ما يجعل السلوك البشري أحيانًا متناقضًا بين ما يؤمن به وما يفعله.

-1
بل ويبررون أفعالهم بنصوص من ديانات محرفة كما يفعل أحفاد القردة والخنازير في فلسطين أو يبررون أفعالهم التي قتلت ملايين البشر حول العالم بأكاذيب وتلفيقات كما تفعل أمريكا؟

صحيح معك حق، أو يٌبررون همجيتهم وغزوهم للشعوب الأخرى بنشر الدين كما فعل أجدادنا الهمج من الجزيرة العربية، هل هذا قد يدُلنا على أن الوحشية وحب التسلط والكبر والزعامة وكل هذه الشرور أيضاً من الفطرة المشتركة بين البشر؟ بما أنهم لم يسلم منها أحد منهم؟ اللهم إلا بعض العقود اليسيرة جداً المتناثرة في قرون شتى والتي كانت نتيجة لخبرة وحضارة كبيرة سرعان ما إنهدمت وعادت لفطرتها الهمجية

إذاً وبناءاً على هذا الكلام، نحن فطرتنا هي نفس فطرة الحيوانات بالظبط، فطرة النمل والنحل والثدييات إلخ، إن كانت تقتصر على الحياة الإجتماعية والجنس والأكل وما إلى ذلك من الغرائز فلا إختلاف بيننا وبينهم في الفطرة، أما خلق الأخلاق فلا أعتقد أنه فطرة فما هو مقبول أخلاقياً اليوم لم يكن بأخلاقي بالأمس القريب على نفس الكوكب منذ مئات السنين، وما كان أخلاقياً في عهدهم لم يعد في عهدنا بأخلاقي، إذاً فالأخلاق ليست فطرة، والوصول لها أو البحث عنها ليس من الفطرة أصلاً، وإنما الأخلاق نتاج تطور وتجربة مستمرة ومتصاعدة عبر الزمن