هل وجود الله ضروري أم نظري؟
اختلف المتكلمون والفلاسفة منذ القدم في مسألة: هل معرفة وجود الله أمر ضروري مغروس في النفس لا يحتاج إلى نظر واستدلال، أم أنها قضية نظرية تحتاج إلى التأمل والبرهنة؟ وقد ترتب على هذا الخلاف اختلاف كبير في طريقة إثبات العقائد وفهم طبيعة الإيمان الديني.
ذهب غالب الفلاسفة والمتكلمين إلى أن وجود الله أمر نظري، أي أنه يحتاج إلى النظر والاستدلال العقلي، بينما ذهب بعض العلماء والمفكرين إلى أن وجود الله ضروري وفطري في النفس الإنسانية ولا يحتاج إلى إقامة البرهان.
وقد رأى جمهور المتكلمين والفلاسفة أن الإنسان لا يعلم وجود الله بالضرورة، بل يعرفه من خلال النظر في الكون أو التأمل العقلي أو البراهين الفلسفية. ولذلك امتلأت كتب علم الكلام والفلسفة بالأدلة على وجود الله، مثل دليل الحدوث، ودليل الإمكان، ودليل العناية والنظام. ولو كان وجود الله بديهياً عند جميع البشر لما احتاج العلماء إلى إقامة تلك البراهين الطويلة.
ومن أبرز حجج القائلين بأن وجود الله نظري أن البشر قد اختلفوا في هذه المسألة اختلافاً كبيراً عبر التاريخ، فظهرت طوائف من الفلاسفة والمفكرين أنكرت وجود الإله أو فسرت الكون تفسيراً مادياً لا يحتاج إلى خالق. ومن الأسماء التي تُذكر في هذا السياق:
طاليس
أنكسيمندروس
أنكسيمينس
ديموقريطس
أبيقور
وقد استدل هؤلاء بأن وجود هذا الاختلاف دليل على أن معرفة الله ليست من القضايا الضرورية التي يشترك الناس في إدراكها، إذ القضايا الضرورية لا يقع فيها هذا النزاع الواسع بين البشر.
وفي المقابل، ذهب بعض العلماء إلى أن وجود الله ضروري وفطري، ومن أبرز من نُسب إليه هذا القول:
الجاحظ
ابن تيمية
واستدل هؤلاء بما يسمى “برهان الفطرة”، وهو أن النفس الإنسانية مفطورة على الإقرار بوجود قوة عليا وخالق للكون، وأن الإنسان بطبيعته يتوجه عند الشدائد إلى كيان متعالٍ يطلب منه النجاة والعون. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن إرسال الرسل لم يكن لإثبات أصل وجود الله، بل لتعريف الناس بشرائع هذا الإله وبيان أوامره ونواهيه.
غير أن هذا الاستدلال قد أُجيب عنه بأن وجود الاختلاف بين البشر في الإيمان بالله يدل على أن هذه المعرفة ليست ضرورية بالمعنى الدقيق، لأن القضايا الضرورية لا يقع فيها النزاع بين العقلاء. فلو كانت النفس البشرية مغروساً فيها العلم الضروري بوجود الله لما وجد عبر التاريخ من ينكر وجوده أو يشكك فيه.
ومن هنا يمكن القول إن مسألة وجود الله أقرب إلى القضايا النظرية منها إلى القضايا الضرورية، لأنها تحتاج عند كثير من الناس إلى التأمل والاستدلال والنظر العقلي، وهو ما يفسر كثرة البراهين الفلسفية والكلامية التي أُقيمت لإثبات وجود الله عبر تاريخ الفكر الإنساني.