الطوباوية فلسفة إجتماعية غايتها الوصول إلى مجتمع مثالي.
وقد قلنا مجتمع مثالي,وليس (المجتمع المثالي) لسببين
أولها لأن تصور البشر لهذا المجتمع المثالي يختلف بين جماعة وأخرى. وتعد ظاهرة (الرق) مثالا صارخا على هذا يجمع بين تناقض التصرفات المتحضرة بين أبناء اللون الأبيض,وفي نفس الوقت قمع وحشي ضد العبيد السود من نفس أفراد هذا المجتمع. وهو مجتمع لا يمكن أن نصفه (رغم تحضره الظاهر) بـ (مجتمع مثالي).
وثانيها لأن الوصول لهذا المجتمع المثالي,هو أمر مستحيل تماما,ورغم ما يذهب إليه ليبنتز من أن (عالمنا هو أفضل العوالم المحتملة) فإن في مقولته تلك بغض النظر عن سياقها (والرؤية الإيمانية التي اتصف بها ليبنتز) إعتراف ضمني بأن هذا هو الأفضل من الأسوأ. أي هو واقع بين عدة خيارات / احتمالات أحلاهم مرّ. ولهذا وجدت الجنة. والجنة فكرة موجودة فلسفيا ومعترف بها حتى لو كنت ملحدا. لأن الإنسان (السوي) لا يكف عن سعيه للوصول إلى المجتمع المثالي,أو اليوتوبيا / الجنة.
نشأت الطوباية لأول مرة تاريخيا في النصوص الإبراهيمية بإعتبارها سجلات تاريخية ثبتت مصداقيتها وحجم الموثوقية بها بالمقارنة مع السجلات التاريخية الأخرى. وبحسب الأخبار الواردة فيها فإن أول ثلاث يوتوبيات معروفة هي جنة آدم وسفينة نوح ومملكة سليمان.
ثم وكعادة الغرب بنسب أول الأمور إلى نفسها,فلا فلسفة قبل الفلسفة اليونانية,ولا يوتوبيا قبل يوتوبيا توماس مور إمتدادا لأول مدينة طوباوية في تاريخ الفكر الغربي,وهي جمهورية أفلاطون. مع أن الفلسفة اليوتوبية حاضرة في التراث العربي,وإن كانت نقلا عن التراث اليوناني,وتعديلا عليه وتأثرا به.
وسعي الإنسان إلى الجنة يتمثل في مجموع أفكار المجتمع الحاضرة,المسماة أيديولوجيا. أي أن الأيديولوجيا (المذهبية) تتفق مع اليوتوبيا (الطوباوية) في محاولة الذهاب / الوصول إلى مجتمع أفضل. الفرق هو أن الوصول موصول في اليوتوبيا,والوصول معزول في الأيديولوجيا.
"الأيديولوجيا دائما متضافرة مع الطوباوية أو اليوتوبية وتصور ما ينبغي أن يكون، ولئن كانت الأيديولوجيا — كما أوضح كارل مانهايم — تتعايش مع الحالة الراهنة في المجتمع، بينما الطوباوية دائما في وضع التعارض مع الحالة الراهنةَّ فإن العنصر الأيديولوجي والعنصر الطوباوي في الفكر الإنساني لا يُولدان منفصلين عن بعضهما؛طوباويات الطبقات الصاعدة كثيرًا ما تتحول إلى أيديولوجيا. ومعيار
التفريق بينهما هو درجة تحقيق الطوباوية في التاريخ وتحولها إلى أيديولوجيا«. لذلك
اعتبر إمجه Emge اليوتوبيا — أو الطوباوية — أيديولوجيا مرئية يتوقع حدوثها*