العلاج بالفلسفة، حقيقة أم مبالغة في رأيكم؟

لأكون صريحة واضحة، كمختصة في الفلسفة، لا أميل إلى الاقتناع بفكرة العلاج بالفلسفة، وقد عجبت فعلا ممن يدعون إليها، لاسيما وأني وجدت عيادات حقيقة في بعض البلاد الشرقية تفعل هذا حقاً، وما رأيته إلا نوعا من الاستغلال، للأمانة العلمية، ومع أن أعلاماً من الباحثين المرموقين في الفلسفة اليوم، يؤمنون بفكرة العلاج بالفلسفة، منهم سعيد ناشيد صاحب كتاب بنفس العنوان" التداوي بالفلسفة"،يرون أن الفلسفة شفاءوعلاج، مع ذلك مازلت أراها فكرة مثالية لا غير.

إلى أن قرأت كتب إبكتيتوس بعمق، لأجد الرجل فعلا يدعوا للعلاج بالفلسفة صراحة! وهنا وفقت مجددا للتفكير، ماذا يُقصد بالعلاج بالفلسفة هذا؟

في النهاية اتضح لي من رأي ابكتيتوس أن الفلسفة بمقدورها أن تقدم الحكمة كبلسم شافي لجروح الحياة، من حيث تعطينا المفاهيم والمعاني الحقيقة للحياة وتقلص مساحة الألم في حياتنا، فللرجل عبارة أحبها، يقول فيما معناها ؛ أن من يعرف قليلا من الفلسفة يشقى، ومن يعرف كثيرا منها يهنأ، وأن الحكمة التي تقدمها الفلسفة هي السبيل للخلاص من شرور الحياة والطريقة الوحيدة للعيش على وفاق مع قوانين الحياة دون الصدام معها، لأن كل الألم والمعاناة إنما سببه الأول هو هذا الصدام وعدم التوافق مع الطبيعة.


أعتقد أن التعمق في الفلسفة قد يؤدي بالشخص إلى مواطن لا يحمد عقباها، حيث تميل الفلسفة في نظري إلى تحفيز الشك والتساؤل في جميع الجوانب الحياتية، و هذا ما قد يوصل إلى درجة تشكيكه في معتقداته الدينية والإيمانية. وبالتالي، لا أعتقد أن الفلسفة قادرة على تقديم مساعدة فعالة في العلاج، حيث أرى أنها قد تزيد من تعقيد الأمور بدلا من حلها.

هذا هو الشائع عن الفلسفة ولكنه ليس الحقيقة فهذا عكس ما يحدث فأول شيء في الفلسفة هو عملية الشك ومن ثم عملية الإبداع الفكري وليس العكس فالشك يأتي أولا وبسببه تبحث وتفكر وتتعمق في التفكير الذي يقودك إلى فهم أكبر للعالم ولنفسك في نفس الوقت، وبالمناسبة الفلسفة تسمى بأم العلوم لأنه منها انبثقت بقيت العلوم وخاصة العلوم الطبيعية التي على رأسها الفيزياء فكل هذا بدء بسبب التفكير الفلسفي الذي قاد بدوره إلى التفكير العلمي وهذا بالمناسبة وبكل بساطة ما يتم تدرسيه في سنوات التعليم الأولى عن الفلسفة وعن التفكير بشكل عام فهذه معلومات أساسية عن الفلسفة فلا أعلم لماذا انقلبت الآية وصارت الفلسفة هي من تقود للشك!

فأول شيء في الفلسفة هو عملية الشك ومن ثم عملية الإبداع الفكري وليس العكس فالشك يأتي أولا

جيد، لكن الأكيد أنه ليس كل من تفلسفوا وسلكوا طريق الشك أولًا؛ انتهى بهم الحال إلى الإبداع الفكرى!

عملية الشك هنا ليس معناها الشك في العقائد الدينية، إنما الشك فيما يقدم إليك من معلومات سواء فكرية أو مجتمعية وبدون الشك فيها لن تنتج فكرا، ومن ثم فكما تقولين ليس كل من تفلسفوا انتهى بهم الحال إلى الابداع ونقول إذا من أين أتينا بفكرة أن الفلسفة تقود بالشك في العموم؟ ومن أين يستقي الناس هذه المعلومة عن طريق دراسة أم مجرد نقل الفكرة بدون تفكير فيها وبحث؟

بالضبط .

الشك هنا ليس هو الشك الوسواسي ، انما هو الشك المنهجي ، للتوضيح يوجد ثلاث أنواع من الشك:

الشك الوسواسي الذي يدخل على عقيدة الشخص اما لتقلبات في نفسه أو بفعل دخول عامل خارجي عليه، وهو محض شك عبثي لا طائل منه.

الشك الثاني وهو الشك العدمي وهو الشك في الفكرة لمجرد الشك، أي هي المحاولة الدائمة للتقزيم من الأفكار المطروحة دون أي تمحيص جدي أو مسائلة حقيقة لأبعادها ، وهذا ما يفعله العدميون .

النوع الثالث من الشك وهو الشك المنهجي وهو منهج فلسفي ، حيث يكون الشك مؤسس على خطوات معلومة، بحيث يكون منهجا للوصول للحقيقة، ولايرتبط هذا الشك بالضرورة بموضوع له علاقة بالدين، بل يطبق على كل المواضيع الإنسانية والمعارف الاجتماعية .

هذا الأخير هو الشك المقصود في الفسلفة وليس غيره.

المشكلة تكمن في أن أغلب غير المتخصصين عندما تستهويهم الفلسفة ويطّلِعون على قليل فقط منها، لا نجد إلا أنهم يندفعون نحو الشك العدمي الأجوف، ولا أدري صراحة هل القصور هنا من المتخصصين أنفسهم لأنهم لا يتصدروا بأنفسهم لتبيان حقيقة هذا العلم بما فيه الكفاية، وإزالة الشبهات العالقة به!

المشكلة ليست في المختصين بقدر ماهي مشكلة قلة وعي وانخفاض مستوى الثقافة الحقيقة وتدني مستوى المقروئية في العالم العربي.

في الغرب المواطن العادي ناقش أفكار فلاسفة كبار في يومياته ويتعامل بها، ولا يصعب عليه الأمر كثيرا لان بيئته مشجعة للنقاش اولا ولأن المقروئية والواعي عالي.

السؤال هنا خلود بما أن تخصصك في الفلسفة كيف نستطيع أن نغير هذه الفكرة العامة عن الفلسفة والشك لأنني أرى أنه فيكل مرة يتم ذكر الفلسفة في أي مكان يتم التحدث عن نفس الفكرة دون كلل فهل تم وصم الفلسفة إلى الأبد ولن يتم حل الأمر؟

لا أعتقد أن وصم الفسلفة أبدياً، لكنه يبقى في اعتقادي عنصريا لمدة طويلة جدا.

أقصد بهذا أن قوميات معينة لم تستطيع التخلص من رهاب الفسلفة إلا بعد تغييرات جذرية ستحتاج إلى عشرات أو مئات السنين ربما ، لأن مشكلتهم مع الفلسفة، ليست في الفلسفة في حد ذاتها وإنما في المنطلقات الدنينية، التي ربطت بين الفسلفة والزندقة، وطالما أن هناك قراءة سطحية هوحاء للدين سيكون تغيير وضع الفسلفة صعبا، لكن مع ذلك تبقى هناك آمال كبيرة لنخر هذه الفكرة وتهديمها وذلك من خلال نشر الوعي وتشجيع النقاشات الفلسفية بشكل غير مباشر حتى لا يتم استفزاز هذا الرهاب ،وبمجرد وصول هذا الوعي الى عدد كافي من الناس فستصبح المهمة اسهل وسوف يتطور الامر تلقائيا.