تفتح مقولة دوستويفسكي في روايته الأبله: أريد أن يكون هناك إنسان على الأقل أستطيع أن أكلمه كما أكلم نفسي. نافذة على واحدة من أعمق الحاجات الإنسانية وأكثرها تعقيداً؛ وهي الرغبة في العثور على مرآة نفسية كاملة تجسدها مثلاً شخصية الصديق الذي يعرف عنا كل شيء. هذا البحث عن الأمان المطلق والمكاشفة بلا حواجز يقسم الآراء والمواقف الإنسانية إلى جبهتين متناقضتين تماماً في التعامل مع مفهوم هذا الصديق. فالفريق الأول يرى أن وجود شخص يسمعنا كأننا نحدث أنفسنا هو قمة الطمأنينة النفسية والحماية من العزلة. المعرفة الكاملة هنا ليست تهديداً أبداً، إنما هي الغطاء الذي يستر عيوبنا والمسكن الذي يحررنا من عناء التظاهر والتبرير. في هذه المساحة، يتحول الصديق الخبير بأسرارنا إلى أخ ورفيق ومؤنس ومشجع، ويمنحنا شجاعة مواجهة الحياة لعلمنا أن هناك قلباً واحداً على الأقل يفهم دوافعنا الحقيقية دون أحكام مسبقة. وبشكل شخصي أحب هذا النوع من العلاقات، فتأثيره الإيجابي عميق. أما الفريق الثاني فألاحظ أنه على النقيض تماماً، ويتحدث من واقع خبرة ومواقف سابقة علمته أن الصديق المحيط بكل تفاصيلنا هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. فالإنسان كائن متحول والمشاعر متقلبة، والسر الذي يمثل اليوم رابطة أمان قد يتحول غداً إلى سلاح للابتزاز مثلاً . بالنسبة لهذا التوجه، فإن الخصوصية والمسافة الآمنة هما الحصن الحقيقي، لأن الانكشاف التام أمام الآخر يعري الروح ويجردها من دفاعاتها الأساسية.
الصديق الذي يعرف عنا كل شىء. أمان لنا أم خطر علينا؟
لطالما أعجبتني وأثارتني هذه الشعيرة عند الإخوة الأقباط ( الإعتراف ) كم هي جميلة، أن يستطيع الشخص أن يخرج كل ما في قلبه أمام شخص أخر ويزيل عن قلبه هم كتمان السر وهذا ما يجعل إصلاح القلب أسهل عليه، عندنا أيضاً في التصوف عند الإختلاء لأيام نخرج ما في قلوبنا ونستشعر هذا الإرتياح الذي لا يفهم حلاوته إلا من عاشه، أعتقد أنني قرأت أيضاً أن كتابة اليوميات وكتابة ما ينغص علينا حياتنا يجعلنا أيضاً نتخلص من هذه الأفكار من عقولنا وكأننا حكيناها لشخص أخر، لكنني لم أجرب هذا النوع من الكتابة بعد
الفضفضة وإخراج ما في القلب أمر مريح جدا للروح، لكن تسليم أسرارنا ونقاط ضعفنا للبشر يحمل دائما مخاطرة كبيرة. حتى في طقس الاعتراف، يعلمنا التاريخ أن الأسرار قد تستغل أحيانا، وتحت ضغوط معينة تم الإفصاح عنها لجهات سياسية أو سلطوية.
لدي قناعة راسخة بقاعدة بسيطة تقول Nobody is loyal to trust، وأن الله وحده هو من يغفر. لو تأملت هذا المعنى وراجعت تقلبات الطبيعة البشرية على مر الزمن، ستدرك يقينا أن كشف أسرارك العميقة لأي إنسان يظل دائما مخاطرة غير مضمونة العواقب.
التعليقات