10

الصديق الذي يعرف عنا كل شىء. أمان لنا أم خطر علينا؟

تفتح مقولة دوستويفسكي في روايته الأبله: أريد أن يكون هناك إنسان على الأقل أستطيع أن أكلمه كما أكلم نفسي. نافذة على واحدة من أعمق الحاجات الإنسانية وأكثرها تعقيداً؛ وهي الرغبة في العثور على مرآة نفسية كاملة تجسدها مثلاً شخصية الصديق الذي يعرف عنا كل شيء. هذا البحث عن الأمان المطلق والمكاشفة بلا حواجز يقسم الآراء والمواقف الإنسانية إلى جبهتين متناقضتين تماماً في التعامل مع مفهوم هذا الصديق. فالفريق الأول يرى أن وجود شخص يسمعنا كأننا نحدث أنفسنا هو قمة الطمأنينة النفسية والحماية من العزلة. المعرفة الكاملة هنا ليست تهديداً أبداً، إنما هي الغطاء الذي يستر عيوبنا والمسكن الذي يحررنا من عناء التظاهر والتبرير. في هذه المساحة، يتحول الصديق الخبير بأسرارنا إلى أخ ورفيق ومؤنس ومشجع، ويمنحنا شجاعة مواجهة الحياة لعلمنا أن هناك قلباً واحداً على الأقل يفهم دوافعنا الحقيقية دون أحكام مسبقة. وبشكل شخصي أحب هذا النوع من العلاقات، فتأثيره الإيجابي عميق. أما الفريق الثاني فألاحظ أنه على النقيض تماماً، ويتحدث من واقع خبرة ومواقف سابقة علمته أن الصديق المحيط بكل تفاصيلنا هو قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. فالإنسان كائن متحول والمشاعر متقلبة، والسر الذي يمثل اليوم رابطة أمان قد يتحول غداً إلى سلاح للابتزاز مثلاً . بالنسبة لهذا التوجه، فإن الخصوصية والمسافة الآمنة هما الحصن الحقيقي، لأن الانكشاف التام أمام الآخر يعري الروح ويجردها من دفاعاتها الأساسية.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أعتقد أن المشكلة ليست في وجود صديق يعرف كل شيء عنا بل في الطريقة التي نبني بها هذه العلاقة. فالكثير من الناس يتصورون أن الثقة تعني كشف جميع الأسرار دفعة واحدة، بينما الثقة الحقيقية تبنى تدريجيًا عبر سنوات من المواقف والاختبارات. وجود شخص تستطيع أن تتحدث معه بلا أقنعة هو نعمة نادرة فعلا لأن الإنسان يرهقه التظاهر المستمر ومحاولة الظهور بصورة مثالية أمام الجميع ويحتاج شخص يبوح له بمشاكله وأسراره

تبقى أمامنا مشكلة. أنه حتى لو بنيت الثقة على سنوات كثيرة وبشكل تدريجي، فإن التقلب يحدث، والشخص الذي يعتبر عشرة عمر وصداقة سنين قد يتحول لعدو ووقتها ستتحول أسرارنا المباح بها إلى أسلحة مشرَّعة في وجوهنا.

هل ترى أن الأمر يستحق المجازفة؟

أعني إعطاء الأمان لشخص بنسبة 100% وجعله يعرف عنا كل شيء.

Ysmnsoliman أضف ردا

أنا مع الفريقين معاً في نفس الوقت، كان لديَّ صديقتين أتعامل معهما بشفافية مطلقة أتحدث معهما عن كل ما يجول في خاطري بمنتهى الصراحة، واحدة منهما كانت الأقرب إليَّ وكنا أصدقاء من زمن طويل جداً، حتى أكتشفت من فترة بسبب ظرف صعب تعرضت له وكانت هي موجودة صدفة، أن كل أسراري وأخباري تحكيها لعائلتها وزوجها، والأمر لم يقف عند تلك النقطة أنها حكت أسراري لخطيبي ووالدته، صراحة تلك الأسرار لم تكن تهدد اي جزء من حياتي ولكنها كانت خصوصية كبيرة بالنسبة لي، وعندما واجهتها لان ما حكته تسبب في مشاكل أكبر بسبب جرأتها وأنها أظهرتني في بعض المواقف التي كنتُ أحكيها بإيجاز بمظهر الكاذبة، عندما واجهتها كان رد فعلها أردتُ فقط أن أساعدك ولا احد من الذين حكيت معهم سيضرك، كلنا في النهاية نحبك.

كلنا في النهاية نحبك

هناك حب يؤذينا. أرى أنه لا فائدة منه، لأن الحب يجب أن ينعكس بالإيجاب علينا على هيئة أفعال طيبة مفيدة لنا.

في المثال الذي ذكرتيه.. هل موقفك تغير بخصوص الإفصاح عن الأسرار كما يرى الفريق الثاني الذي ضمنت وجهة نظره في المساهمة؟

بالطبع تغير موقفي بخصوص الإفصاح عن الأسرار، وأن هناك الكثير من الأمور التي يجب أن أبقيها لنفسي سراً حتى لا أتعرض لخيبة أمل مجددة، وبخصوص تلك الصديقة لأن بيننا مواقف وأشياء كثيرة جداً قررت فقط أن أنتبه لما يصدر مني أو ما أقوله أمامها حتى لا أقع في نفس الموقف مرة أخرى.

المشكلة ليست في البوح أو الإنكشاف، بل لمن كان ذلك؟

بالنسبة لي انا من الأشخاص التي تحب "الفضفضة" للأحبة، وبالطبع الإنسان في بداية تجاربه يتعرض لإنكسار الثقة من البعض لكن لا يعني ذلك أن ينقفل على نفسه بل أن يعرف من بإستطاعته أن يؤمن عنده سره!

أتذكر حين شاركت أسراري مع صديق مقرب قديماً. بادئ الأمر، شعرت براحة تامة، كأنما وجدت ملاذاً آمناً. لكن بعد مدة، بدأت أشعر بالقلق من أن تُستخدم هذه المعرفة ضدي، وهو ما حدث. هذا جعلني أدرك أن الثقة سلاح ذو حدين، وأن الصداقة تحتاج إلى توازن بين الانفتاح والخصوصية.

لطالما أعجبتني وأثارتني هذه الشعيرة عند الإخوة الأقباط ( الإعتراف ) كم هي جميلة، أن يستطيع الشخص أن يخرج كل ما في قلبه أمام شخص أخر ويزيل عن قلبه هم كتمان السر وهذا ما يجعل إصلاح القلب أسهل عليه، عندنا أيضاً في التصوف عند الإختلاء لأيام نخرج ما في قلوبنا ونستشعر هذا الإرتياح الذي لا يفهم حلاوته إلا من عاشه، أعتقد أنني قرأت أيضاً أن كتابة اليوميات وكتابة ما ينغص علينا حياتنا يجعلنا أيضاً نتخلص من هذه الأفكار من عقولنا وكأننا حكيناها لشخص أخر، لكنني لم أجرب هذا النوع من الكتابة بعد

الفضفضة وإخراج ما في القلب أمر مريح جدا للروح، لكن تسليم أسرارنا ونقاط ضعفنا للبشر يحمل دائما مخاطرة كبيرة. حتى في طقس الاعتراف، يعلمنا التاريخ أن الأسرار قد تستغل أحيانا، وتحت ضغوط معينة تم الإفصاح عنها لجهات سياسية أو سلطوية.

لدي قناعة راسخة بقاعدة بسيطة تقول Nobody is loyal to trust، وأن الله وحده هو من يغفر. لو تأملت هذا المعنى وراجعت تقلبات الطبيعة البشرية على مر الزمن، ستدرك يقينا أن كشف أسرارك العميقة لأي إنسان يظل دائما مخاطرة غير مضمونة العواقب.

لدي صديقة مقربة جدا وثفتي فيها كبيرة واكن كحقيقة هناك امور لا اجد حقا انه يجب ان تسمعها صديقتي او غيرها لاني اسمعها لخالقي فقط فاحس براحة كبيرة مايخفيه الانسان في قلبه لا يشترط ان يكون شيء كبير بل كل واحد ينظر لما في داخله من ضيق فلا يستطيع بصراحة احد مساعدته الا خالقه وعن نفسي افعل هذا فاجد نفسي براحة كبيرة و الحمد الله.

هناك اغنية لها طابع مرعب تتحدث عن البوح بسر لصديق والقاء السر في البئر ، ثم يبدأ اللحن ياخذ طابع قلقا مع حديث الاغنية عن احتمالية انكشاف السر ، ثم يتحول اللحن لما يشبه موسيقي افلا الرعب مع تلميح من بعيد للتخلص من حامل السر .

لكل شيء في هذه الحياة ثمن، وثمن وجود شخص يكون معه الإنسان كنفسه تماماً هو المخاطرة بأن يصبح كل هذا ضده في يوم من الأيام؛ الأمر كله في أنك تجني ثمار هذا الإحساس الرائع وتتحمل نتائجه إن كان اختيار هذا الشخص ليس في محله.

ان يفهمك صديقك شيء، وان يعرف عنك كل شيء أمر آخر.

أفضل من يفهمك وإذا فهمك احترمك وقدرك.