سيجد من يقرأ كتاباتي أنها منسوجة بالحزن، وربما يتساءل: لماذا؟ لأننا نعلم أن الكتابة ليست مجرد كلمات تُخطّ فوق الورق، بل هي مرآة الكاتب التي يرى فيها نفسه كاملة؛ بعيوبه، وأخطائه، وحزنه المكتوم الذي يعجز أحيانًا عن البوح به. فيُخرجه على هيئة خواطر، ومقالات، وقصص، وروايات؛ منها ما يكون نورًا يشجّع القلوب المتعبة، ومنها ما يحمل من الحزن ما قد يثقل الروح ويجعلها تغرق في عتمة أفكارها.
فالورقة والقلم ليسا شيئًا عابرًا في حياة الكاتب، بل هما جزءٌ منه، كأنهما ضلعان من روحه. فإذا توقف يومًا عن الكتابة، سار كمن انتُزعت منه جرعة اعتادها حتى أصبحت سكينته الوحيدة. فالكتابة مهدٌ للأعصاب المنهكة، وصوتٌ آخر يتحدث حين يعجز اللسان عن التعبير.
الكتابة هي حياة الكاتب الخفية؛ يسكب فيها ما يضيق به صدره، ويترك فوق الأوراق ما عجز قلبه عن احتماله. فكم من ورقة نزفت ألمًا من قسوة الكلمات، وكم من مقالٍ قُتل قبل أن يرى النور، وكم من صفحة غسلتها الدموع في صمت الليل، وكم من قلمٍ خطّ رسائل الموت والوداع، وكأن الحبر لم يكن سوى بقايا روحٍ أنهكها الفقد.
ومع كل سقوطٍ للقلم على الورقة، كأنها تصرخ من شدة ما حُمل إليها من وجع.
يا صديقي، كما أن الكتب عالم القارئ الذي يهرب إليه، فالورق والقلم هما عالم الكاتب أيضًا؛ أسلحته في مواجهة الحياة، وأصدقاؤه الذين لا يخذلونه. يُخبرهما بما يشعر، ويبثّ لهما ما يعجز عن قوله للبشر. لذلك، لا تسأل كاتبًا: «أهذا ما تشعر به؟» لأن جوابه في الغالب سيكون: لا… فالكاتب أحيانًا يكتب أوجاعه، وأحيانًا يكتب أوجاع العالم كلها وكأنها تسكنه.