ضريبة الوعي

القلق ليس خللًا طارئًا في الإنسان، بل أحد الآثار الطبيعية لوعيٍ يدرك أكثر مما يستطيع السيطرة عليه.

فالإنسان يعيش وهو يتخيل أنه يقود ذاته بحرية كاملة، وأنه قادر عبر الإرادة والتخطيط على ضبط مسار حياته ومشاعره ومستقبله. لكن لحظات القلق تكشف هشاشة هذا التصور فجأة. إذ يكفي احتمال صغير، أو فكرة عابرة، أو خوف غير واضح، حتى يشعر الإنسان أن عالمه الداخلي بدأ يفلت من يده.

لا يظهر القلق فقط بسبب خطر حقيقي، بل بسبب عجز الإنسان عن ضمان ما سيحدث. ولهذا يستطيع العقل أن يحوّل احتمالًا بسيطًا إلى سلسلة كاملة من السيناريوهات المرعبة، لأن الوعي البشري لا يكتفي برؤية الواقع، بل يعيد إنتاجه داخليًا بصورة مستمرة.

فالإنسان لا يختار غالبًا الأفكار التي تقتحم ذهنه، ولا يختار انقباض الخوف داخله، ولا طبيعة استجابته العاطفية الفورية. هذه التفاعلات تتشكل عبر بنية نفسية وعصبية وتجارب متراكمة سبقت كثيرًا ما يسميه الإنسان “قراره الحر”.

ومن هنا يبدو القلق كاشفًا لحدود السيطرة التي يتوهم الإنسان امتلاكها. فكلما حاول العقل إحكام قبضته على المستقبل، اكتشف أن الحياة أكثر انفلاتًا من قدرته على الضبط الكامل.

حتى محاولة توقع الأسوأ ليست دائمًا ضعفًا نفسيًا، بل امتداد لآلية قديمة صُمم بها الدماغ من أجل البقاء. غير أن الوعي الإنساني حوّل هذه الآلية إلى ساحة مفتوحة للاحتمالات، فأصبح الإنسان قادرًا على الخوف من أشياء لم تحدث، وقد لا تحدث أبدًا.

لهذا لا يأتي القلق دائمًا من الحدث نفسه، بل من شعور الإنسان بأنه غير قادر على امتلاك يقين نهائي تجاه العالم أو تجاه ذاته.

فالوعي الذي منح الإنسان القدرة على التفكير العميق… منحه أيضًا القدرة على القلق العميق.


التعليق السابق

التسليم قد يمنح الإنسان طمأنينة نفسية فعلًا، لأنه يخفف شعوره بأنه مطالب بالسيطرة الكاملة على الحياة. لكن وجود الإيمان بفكرة التدبير الإلهي لا يلغي القلق من جذوره دائمًا، بدليل أن القلق رافق البشر المتدينين وغير المتدينين عبر التاريخ.

فالإنسان قد يؤمن بأن هناك حكمة خلف الأحداث، ومع ذلك يبقى خائفًا ومترددًا ومضطربًا، لأن القلق ليس مجرد “فكرة خاطئة” تزول بمجرد الاقتناع، بل جزء من البنية الإنسانية نفسها؛ جزء مرتبط بغريزة البقاء، وبالوعي، وبعجز الإنسان عن رؤية المستقبل بصورة يقينية.

ولهذا نجد حتى الشخص المؤمن قد يقلق على أحبائه، أو صحته، أو رزقه، رغم إيمانه العميق. لا لأن إيمانه ناقص بالضرورة، بل لأن الإنسان ليس عقلًا مجردًا يستطيع إلغاء استجاباته النفسية بمجرد القناعة الفكرية.

اتفق معك أن القلق لن ينقطع من جذوره لأن هذا صعب، لكن اختلف في فكرة أن الإيمان والتسليم التام قد لا يلغيه، وانظر في القصص، في وقت ملاحقة الكفار لسيدنا محمد وأبو بكر الصديق في الغار لم يخف أحدهم لحظة وانظر في قصة سيدنا موسى وأمه ترميه في اليم وانظر في ما جاء بقصة السيدة مريم، نعم نحن لن نصل لتسليم هؤلاء لكن برأيي كلما ارتفعت منزلة التسليم والتوكل كلما زادت الطمأنينة

قولك صحيح ولكن ضريبة الوعي قد تؤدي الى قلق لا ينتهي مايؤثر سلبا على تفكيرنا ككل وكانه سجن! الا ينبغي ان يكون الوعي مع التوكل نوع من الراحة النفسية دون خوف من القرار وتبعاته.

الوعي لا يتحول إلى سجن بسبب الوعي نفسه، بل بسبب عجز الإنسان عن التعايش مع ما يكتشفه.

فالإنسان يريد الحقيقة، لكنه يريدها أحيانًا بشرط ألا تهزّ استقراره النفسي، وهنا يبدأ الصراع. لأن كل توسّع حقيقي في الوعي يُسقط جزءًا من الطمأنينة البسيطة التي كان يعيشها الإنسان قبل أن يرى التعقيد والتناقض والاحتمالات المفتوحة.

أما التوكل أو التسليم، فهو بالنسبة لكثير من الناس ليس إلغاءً للوعي، بل آلية نفسية لإيقاف القلق عند حدّ معيّن حتى لا يتحول الإدراك إلى استنزاف دائم. لكن هذا لا يعني أن القلق يختفي كليًا، لأن الوعي العميق بطبيعته يفتح أسئلة أكثر مما يقدم يقينًا.

وربما المشكلة ليست في أن الوعي يسلب الراحة، بل في أننا نتوقع من الوعي أن يمنحنا الراحة، بينما وظيفته الأساسية هي كشف الأشياء لا تهدئتنا.

نعم شكرا لتوضيحك.