يُطرح الطلاق في النقاشات المعاصرة بوصفه حلًا عقلانيًا لمأزق عاطفي، وحقًا شخصيًا لا يجوز المساس به. وقد يكون كذلك فعلًا في حالات محددة لا يمكن فيها الاستمرار دون أذى أكبر. غير أن الإشكال لا يكمن في الطلاق بحد ذاته، بل في التعامل معه كقرار يخص طرفين فقط، مع تجاهل أثره العميق والممتد على طرف ثالث لا يملك حق الاختيار: الأطفال.

فالطفل لا يفهم تعقيدات الخلافات الزوجية، ولا يملك القدرة على تحليل الأسباب أو تبرير النتائج. ما يدركه ببساطة أن عالمه الذي كان يمنحه الأمان قد اهتز، وأن البيت الذي كان يمثل له الاستقرار لم يعد كما كان. في هذه اللحظة، لا يعود الطلاق حدثًا قانونيًا أو اجتماعيًا، بل تجربة نفسية تترك أثرًا طويل الأمد في وعي الطفل وشعوره بالأمان.

وفي هذا السياق، يكتسب المثل القديم دلالته المؤلمة: الآباء يأكلون الحِصرم والأولاد يَضرَسون. فالقرار يُتخذ على مستوى الكبار، لكن تبعاته تُحمَّل للصغار. قلق مستمر، خوف من الفقد، ارتباك في مفهوم الأسرة، وصعوبة لاحقة في بناء علاقات مستقرة، كلها نتائج قد لا تظهر فورًا، لكنها تتشكل تدريجيًا مع الزمن.

غالبًا لا ينتهي الطلاق عند لحظة الانفصال، بل يبدأ بعدها طور أكثر تعقيدًا، حين يجد الطفل نفسه وسط صراع صامت أو معلن، أو يتحول إلى وسيلة ضغط أو شاهد دائم على تبادل اللوم بين الوالدين. وفي غياب نموذج أسري متوازن، يتعلم الأبناء مفاهيم مشوشة عن الحب والالتزام والمسؤولية.

إن الارتفاع المتزايد في معدلات الطلاق داخل المجتمع لا يمكن النظر إليه كمسألة فردية معزولة، بل هو مؤشر يستدعي التوقف والتأمل. فهو يعكس ضعفًا في القدرة على إدارة الخلاف، وتراجعًا في ثقافة الاحتواء والصبر، وتفككًا تدريجيًا في البنية الأسرية التي تُعدّ حجر الأساس في أي مجتمع مستقر.

الطلاق ليس دائمًا خطأ، وقد يكون في بعض الحالات ضرورة لتجنب أذى أكبر. لكن الخطأ الحقيقي هو الاستخفاف بثمنه، وتقديمه كحل سهل لا يترك وراءه سوى حرية شخصية. ففي كل مرة يُتخذ فيها هذا القرار دون وعي كامل بتبعاته، يدفع الأطفال ثمنًا لم يختاروه، ويُطلب منهم التكيف مع نتائج لم يكونوا طرفًا في صنعها.

وحين يصبح أكل الحِصرم أمرًا معتادًا، لا ينبغي أن نستغرب إن ضَرَست الأجيال اللاحقة، ووجدنا أنفسنا أمام مجتمع أكثر هشاشة وأقل تماسكًا؛ فهل نتعامل مع الطلاق كضرورة تُقدَّر بحدودها، أم كخيار سهل نتجاهل ثمنه الحقيقي على الأبناء؟