هل علي شكرك؟ فقط لأنك لم تدهسني بنفسك.

  • demane

بعد ان تتأكد أنك شدد وثاقه إلى سكة الحديد قُبَيل وصول القطار بلحظات، تبتعد إلى أن تسمع إنقطاع الصوت ليستقر الصمت مكانه، تأكد أنك بريء؛ فمن ارتكب الجرم هو القطار. أنت لم تفعل شيئًا سوى أنك قيّدت حريته قليلًا، أما بقية ما حدث ما هو إلا تفصيلة أخرى خارجة عن إرادتك.

وهكذا يتجلى القيد كإجراء احترازيً، ويغدو المنع حمايةً، وتتحول السيطرة إلى رعاية. وتلك الكارثة تصبح حدثا طبيعيا تمامًا، كسقوط المطر وانجراف التراب. أما أنت، فيداك نظيفتان؛ لم تدفعه ولم تقم بدهسه، فأنت لم تكن متواجدا في قمرة القيادة… اكتفيت فقط بأن جعلت مسألة التحرر مستحيلة .

بالرغم من سوداوية التصور، إلا أن هذا الاعتقاد يُمارس واقعيًا بلا مجاز، في صورة تُقيَّد العقول ليُلام بعدها الواقع، و تُغلق الأبواب و يُتَّهم حينها القدر، حين تُكسَرُ الأجنحة ويُطلب من الطائر أن يطِير

بل قد يبلغ محل أن يُدرَّس هذا تحت أسماء أنيقة ، الانضباط، الطاعة، واحترام النظام. ويتخذ شكلاً قانونيًا وأخلاقيًا وتربويًا، القيد يغدو منهجا، والخوف أداة تعليم، والسكوت فضيلة.

العالم لا يتوقف عن السير، والخطر الأكبر ليس في القطار الذي يمر بل في اليد التي تتقن عقد الحبال، وتُحسن صياغة المبررات، وتطالب بعد كل هذا شكرها فقط لأنها لملم بدهسك شخصيا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

raghd_agaafar أضف ردا

ماذا لو قلنا إن الحبال أحياناً تكون ضرورية لإنقاذ الشخص من سكة حديد أخرى أكثر خطورة؟

المقصود أنه ألا يمكن أن يكون التقييد في بعض المراحل (مثل الطفولة أو بدايات التعلم) هو الذي يحمي الفرد من قطارات الجهل أو الانحراف المبكر؟

المشكلة فعلًا ستكون هي تحديد متى ينتهي القيد كحماية ويبدأ القيد كجريمة.

يحدث هذا طوال الوقت مِن مَن يتملك سلطة على نفس أخرى فيسيء استغلالها أسوأ استغلال، مثل الأب الصارم أو القاسي الذي يعامل أبنائه بقسوة شديدة ويحرمهم من حنانه متعللًا أنه يربيهم أو يجعل منهم رجال وأثناء ذلك يهينهم ويكسر كرامتهم وثقتهم بنفسهم كمن يقوم بربطهم لشريط القطار وعند أول حادثة أو انهيار لهم يتبرئ من ذنبهم.