بعد ان تتأكد أنك شدد وثاقه إلى سكة الحديد قُبَيل وصول القطار بلحظات، تبتعد إلى أن تسمع إنقطاع الصوت ليستقر الصمت مكانه، تأكد أنك بريء؛ فمن ارتكب الجرم هو القطار. أنت لم تفعل شيئًا سوى أنك قيّدت حريته قليلًا، أما بقية ما حدث ما هو إلا تفصيلة أخرى خارجة عن إرادتك.
وهكذا يتجلى القيد كإجراء احترازيً، ويغدو المنع حمايةً، وتتحول السيطرة إلى رعاية. وتلك الكارثة تصبح حدثا طبيعيا تمامًا، كسقوط المطر وانجراف التراب. أما أنت، فيداك نظيفتان؛ لم تدفعه ولم تقم بدهسه، فأنت لم تكن متواجدا في قمرة القيادة… اكتفيت فقط بأن جعلت مسألة التحرر مستحيلة .
بالرغم من سوداوية التصور، إلا أن هذا الاعتقاد يُمارس واقعيًا بلا مجاز، في صورة تُقيَّد العقول ليُلام بعدها الواقع، و تُغلق الأبواب و يُتَّهم حينها القدر، حين تُكسَرُ الأجنحة ويُطلب من الطائر أن يطِير
بل قد يبلغ محل أن يُدرَّس هذا تحت أسماء أنيقة ، الانضباط، الطاعة، واحترام النظام. ويتخذ شكلاً قانونيًا وأخلاقيًا وتربويًا، القيد يغدو منهجا، والخوف أداة تعليم، والسكوت فضيلة.
العالم لا يتوقف عن السير، والخطر الأكبر ليس في القطار الذي يمر بل في اليد التي تتقن عقد الحبال، وتُحسن صياغة المبررات، وتطالب بعد كل هذا شكرها فقط لأنها لملم بدهسك شخصيا.