في أعوام التيه، حيث كان عليّ أن أفكّ شيفرات الحياة لأواصل المسير،
لم تكن المتاهات سهلة، لكنها ما وجدت فيّ هشاشة تسهل عبورها.
كنتُ كلّما سدّ الظلام دربي، أبحث عن قبسٍ في داخلي،
وأكسر جدران اليأس بما تبقى من عزيمة لم تنحنِ.
كنت أخيط جراح الانكسار بخيوطٍ من صبرٍ نسجتُها وحدي،
وأضمّد ندوب الأمل بشيء من الحلم وبعض من جنون الإصرار.
لم تكن الطعنات التي غُرِزت في ظهري سوى دروسٍ،
وكنتُ أنا… المناعة التي لم تهزمها خناجر الغدر.
ولكن كما انه لكل حصان كبوة..
كبوت، عندما اتت تلك الغيمة الرقيقة الناعم نسيمها على الجلد، الطري حديثها على السمع ، المؤنس ظلها على صحراء الارض،
كبوت عندما اخترت ان ابقى تحت تلك الغيمة لتمطر علي من مائها الغزير ، وانا ارشف منه لاروي عطشي المرير،
كلما رشفت قطرة عطشت، وكلما جائتني شاكية سمعت، وكلما احسست لها سقوطا يدها امسكت، كلما طلبتني لبيت ، وحتى انني بحثا عن ما يؤرق غيمتي انا قلبها دخلت ،
دخلته لاجد ذاك القلب الابيض يحوي البساطة الصافية في كل ما دخله من الخارج،
كانت اعبائه الخفيفة جدا تثقلني ،وكلماته تأسرني، وما مر به في وحل الصدفات وتجارب الحب والاهتمامات وسعيه وفشله ونجاحه في حصاد العلامات، وذوقه في كل المقالات والاغنيات، كلها غاية في البساطة لا تشوبها النوايا السيئة من الحياة,
وجدت بعض بقعة سواد في زاوية القلب ،اخذتها والسواد مسحت ،
دخلت القلب ويا ليتني ما فعلت.
كنت لها كما اي شخص لنفسي تمنيت،
اعرف انها لن تبقى في سمائي مدى الحياة ، ولكنني في جمالها وقبحها تغزلت ، لم ابقى من جسدها شبرا واحدا الا وبه ابيات الشعر كتبت.
كانت غيمة بعيدة تمطر علي مائها النقي،وتتركني مبلل ليزيد الهواء من بردي، كم عشقت تلك الغيمة حيث كان محرم علي العشق ،
ولكنني سرعان ما فهمت حبي لها،
من لا يحب الغيمات،
من لا يحب رقتها؟
من لا يحب اهتمامها؟
هي كتلة لا تراها عيني لجمال طرفها،ولكن كان قلبها يشع ليضيئ علي ظلامي، وانا يوما لم انتظر احد ليداوي عتمة قلبي؟
لا اعرف ولكنني اوقعت نفسي حيث انني لباقي الغيمات المتعددة رفضت
لقد جعلني مطرها مريضا، افكر فيها في كل وقت، واشعر فيها اذا انا في سيارتي خرجت، واشرد فيها واحلم فيها في ليلي اذا نمت،
اشتاقها كلما وجهها رأيت، هي غيمة حضورها قاسي وغيابها اقسى..
اتعجب من نفسي كيف ان كل هموم الحياة وقعت علي ، وانا في حبها وقعت!!!
كنت اعلم ان كثرة الحب تؤذي، وقد اكثرت،
اليوم وانا ارى مطر هذه الغيمة يهدئ شيئا فشيئا،اشعر وكأن لهيب الشمس بدء يحرقني،وبدأت تنبت اشواك سقاها المطر لتغرس سمها في جسدي وانا اذ اخشى الموت مسموما طعنت قلبي لاضع له النهاية..
وفي النهاية..
ولأن قلمي قد جف حبره..
كتبتها نقشًا.
"معاوية"
التعليقات
ما قرأته يا معاوية لم يكن قصة غيمة بقدر ما كان مرآة لنفسك. الغيمة هنا لا مجرد حبًا ولا امرأة ، لكن محطة من محطات الروح، تُغرقك لتكشف ما بداخلك من جفاف، ثم ترحل لتتركك في مواجهة صحرائك الحقيقية. أحيانًا نظن أننا نحب الآخرين، بينما في العمق نحن نحب انعكاسنا فيهم، ما يوقظونه من بقايا براءة، أو ما يذكّروننا به من عزيمةٍ كادت أن تنطفئ. المطر لا يهب الأرض بذورًا جديدة، بل يوقظ ما كان ساكنًا فيها. وهكذا كانت غيمتك، لم تكسرك، بل كشفت عنك، لتتأكد أن ما يمنحك الحياة لم يكن سواك منذ البداية.
ما حدث مع الغيمة لم يكن خسارة ربما كان تجربة كان عليك أن تمر بها لتفهم نفسك أكثر وتدرك حدودك في العطاء والاهتمام أحيانًا يدخل بعض الأشخاص حياتنا ليس ليبقوا فيها إلى الأبد بل ليعلمونا شيئ أو ليتركوا فينا أثر صغير لكنه يبقى كبير في المعنى كانت الغيمة مرحلة من حياتك علمتك أن القلوب القوية يمكن أن تضعف ويمكن أن تحب وتتألم لكنها في النهاية تنهض من جديد ربما أغرقك المطر لحظة لكن بعده تشرق شمس جديدة تطهر كل شيء وتعيدك أنقى وأقوى من الداخل
المساهمة ترسم حالة نفسية معقدة من الإصرار على الانهزام أمام عاطفة لم تكن في الحسبان.
بصراحة تامة، أرى ان هذا الكلام يخفي وراءه خطأً إنسانيًا فادحًا نكرره كثيرًا في محيط العمل والحياة، الواقع الذي يتبناه الكاتب هنا هو أنه وقعت حيث كنتُ أظن نفسي حصينًا، وهذا رومانسي جدًا. لكن المنظور الأقل مثالية يخبرنا أن الخسارة لم تأتِ من الغيمة الرقيقة، بل من التعلق المبالغ فيه المشكلة ليست في نقاء أو قسوة الغيمة المثال الواقعي هنا يكمن في الفرق بين الاستثمار العاطفي والاحتراق العاطفي لأنه أفرغ كل طاقته النفسية والعاطفية فيما هو عابر ومؤقت.
لقد حوّلت تجربة طبيعية إلى قضية وجودية. بل اخترت أن تهدم كل الحصون التي بنيتها لتحمل الحياة، وتمنح مفاتيحها لشخص غريب مؤقت، ثم تستغرب النتيجة ونسيت أن الإفراط في العطاء والتعلق حتى في العلاقات هو نوعًا من التدمير الذاتي
قرأت نصّك وكأنّي أشاهد لوحة فيها مطر وظمأ في الوقت نفسه. أعجبتني صورة الحب كـ"غيمة"؛ شيء بعيد، شفاف، يمنح الحياة لكنه في الوقت نفسه قد يتركك مبلّلًا يرتجف من البرد.
يمكن الغيمة في النص ليست مجرد شخص، يمكن هي رمز لكل تجربة ندخلها بكل قلوبنا، نرعاها حتى تستهلكنا. أحيانًا نحب لأننا محتاجين ما بعد الحب، التجربة نفسها، الدرس، الامتحان.
في رأيك هل الحب فعلًا "نجاة" من تيه الحياة كما نتصوره؟ أم هو اختبار جديد لقوتنا وصبرنا ؟