16

ما هو الأصلح للفرد والمجتمع تنفيذ العقوبات أم العفو؟ (الطالبة التي قامت بتزوير رغبات صديقتها)

قامت إحدى الطالبات مدفوعة بالحقد والغيرة باختلاس رقم صديقتها السري الخاص بموقع رغبات الكليات وغيرت رغباتها حتى تمنعها من دخول كلية الطب البشري.

بعد القبض على الطالبة المتهمة بتزوير الرغبات قام والد زميلتها بالتنازل عن جميع المحاضر لأنه لا يرضى الضرر للمتهمة، وأضاف أن المهم أن حق ابنته رجع وبإمكانها الآن أن تدخل كلية "الطب" التي أرادتها.

ربما يكون العفو عمل إنساني، لكن العقوبة والجزاء لهما مغزى في ضبط حال المجتمع والأفراد؛ وقد نصت عليهما الأعراف والأديان لحكمة مرجوة منهما في صلاح الحال، وفتاة في سن ال17 تتعمد الإضرار بزميلتها وتنجو من العقوبة يمكن أن تفعل غداً أكثر من ذلك، فنحن نرى كل يوم أشخاص مؤذيين لا يردعهم شيء.

برأيك هل كان من الأصلح ترك القضاء يأخذ مجراه مع المتهمة؟ أم أصاب والد الفتاة بعفوه عنها؟


العفو موقف إنساني عظيم حين ينبع من قوة لا من ضعف، لكنه لا يلغي أن للعدالة معنى يتجاوز المصلحة الفردية. صحيح أن حق الابنة قد عاد، لكن هناك حقًا آخر للمجتمع في أن يُحمى من تكرار مثل هذا السلوك.

ربما كان الأصلح أن يسير العفو جنبًا إلى جنب مع القانون: عفو شخصي يُسقط المطالبة المدنية، لكن يظل القضاء حاضرًا ليؤكد أن العبث بمصائر الناس ليس أمرًا يُستهان به.

فالرحمة مطلوبة، لكن دون أن تُفقد العدالة هيبتضها.

أتفق معك في هذا الطرح يا نبيلة، العفو كرم إنساني ، غير أنه يمكن أن يتحول إلى فعل لا أخلاقي إذا ما قُدم في غير محلة أو تم التنازل عنه بغير دراسة كافية أو بالإكراه أو الخوف، صحيح أن هذه الحالة لا يعد فيها إسقاط الحق أمراً خطيراً، لكن ما لا نعلمه هو الشخص المعفي عنه فعلا يستحق، هل أدرك الدرس فعلا، وهل لذيه تصرفات مشبوهة أخرى أم أن هذه مجرد حالة شاذة في تصرفاته، لأن بعض الأفعال التي نتغاضى عنها يمكن أن تكون فاتحة لجرائم وتجاوزات خطيرة في المستقبل إذا ما لم كبحها وقتلها في مهدها منذ البداية، لذلك أتفق معك بأنه لو كان من بد للعفو فلا ضرر من المتابعة القانونية أو على الأقل التغريم تعويضاً عن الآثار النفسية التي تسبب بها، حتى لا يستسهل التعدي على الناس مستقبلا.

أثريت النقاش بوجهة نظرك، وأجدني أتفق معك تمامًا. فالعفو حين يُمنح بلا وعي أو ميزان قد ينقلب من قيمة أخلاقية إلى ثغرة أخلاقية، لكن حين يقترن بالقانون يصبح رسالة مزدوجة: إنسانية تُداوي، وعدالة تُصوّب. وهنا فقط يتحقق المعنى الأسمى، إذ لا تضيع الرحمة ولا تفقد العدالة هيبتها

أؤيد رأيك أن العفو مبدأ عظيم ويجب أن تكون هناك شروط له كما ذكرتي مثل أن يكون من موضع قوة.

وهناك نقطة أخرى تواجهنا هنا وهي أن حق الطالبة قد رجع وبإمكانها الآن أن تدخل الكلية التي تريدها..

أرى أنه بذلك قد تحقق شرطان من شروط العفو، فماذا ينقص برأيك حتى يكون العفو مستحباً في هذا الموقف؟

أقدّر رأيك، وأتفق أن رجوع الحق شرط أساسي للعفو، لكنه وحده لا يكفي. ما ينقص هنا هو اليقين بأن الخطأ لن يتكرر، وأن من أخطأت أدركت فداحة فعلها وندمت حقاً. فالعفو بلا توبة صادقة يتحول من قيمة إنسانية إلى فرصة للتجرؤ على الآخرين. الرحمة عظيمة، لكن عظمتها تكتمل حين تردع وتداوي في الوقت نفسه.

لكن تطبيق العقوبة لا يضمن كذلك عدم تكرار الخطأ، فأحياناً يكتسب المخطىء شعور حانق بسبب العقوبة، ويكتسب كذلك طاقة عقلية وحنكة بسبب العقوبة، يجعله يكرر فعلته لكن على نطاق أكبر بحذر أشد وبضرر أكبر.

صحيح أن العقوبة قد تُحفّز الحنكة أو الغضب أحيانًا، لكن التركيز على هذا الجانب فقط يُهمل جوهر المشكلة: تربية الضمير والمسؤولية. مجرد الحديث عن ‘الحنكة الناتجة عن العقوبة’ كحجة ضد العدل يتجاهل أن المجتمع يحتاج للحدّ من الضرر وتعليم المخطئ درسًا حقيقيًا، وليس لتمكينه من إعادة الخطأ بحذر أكبر