السفر للخارج لن يجعلك ناجحًا

في كل الأماكن تقريبا، تتردد الجملة نفسها على ألسنة الشباب: "الغربة هي الحل."

كلمة تُقال وكأنها مفتاح سحري يفتح أبواب المجد، ويقلب الحال بين ليلة وضحاها.

يتخيلون دول الغرب جنة بلا شوك، حيث الفرص مفتوحة على مصاريعها، والطرق مرصوفة بالذهب، وأنك ما إن تطأ أرضًا جديدة حتى تتبدد مشاكلك. لكن ما لا يرونه في الصور البراقة، هو أن من حمل داخله نفس العقلية الكسولة، ونفس العادات المتهالكة، ونفس الأعذار الجاهزة، سيعيد المشهد ذاته في الغربة، لكن بخلفية مختلفة ولغة أخرى.

أحسب أن غالب الشباب لا يطلب السفر طلب الباحث عن فرص أكبر، بل طلب الهارب من مواجهة نفسه، والكسلان عن مواجهة الواقع. والسفر — مهما غلّفه الخيال بالوعود — لا يخلق إرادة، ولا يزرع انضباطًا، ومن لم يبنِ ذاته في وطنه، سيفشل هناك ولو كانت الفرص أوسع وأرحب.

كم من شاب عاد من غربته محمّلًا بالخيبة، لأنه اكتشف أن المشكلة لم تكن في الحدود الجغرافية، بل في القيود التي كبّل بها فكره وروحه. وكم من آخر بقي في بلده، لكنه كسر تلك القيود، فبلغ ما لم يبلغه كثير من المهاجرين.


فعلا، ما ذكرته حقيقي جدا.

أظن أن الكثيرين يتسترون خلف كسلهم وعدم قدرتهم على المحاربة، وما نسمعه منهم كثيرا (وأتحدث عن الحراقة الجزائريين في أوروبا بالذات) يقولون أنهم يعملون قليلا ويجنون كثيرا، وهذا ما يشكل بالنسبة لهم الحل في الغربة!

ذلك حقيقي إلى حد ما مع ذلك! أي أنه مثلا إذا كان شخص ما يعمل سباغا في الجزائر أو سباغا في أوروبا، فيمكنه تحقيق الكثير هناك بنفس الجهد والوقت! سيارة، بيت، معيشة كريمة، ومال يدخره!

لكن مع ذلك أنا لا أشجع أحدا على الاغتراب إلى أوروبا ولا غيرها من بلاد الكفار، لأن حكم الشرع في الهجرة إلى بلاد الكفار حرام.

ولكن إذا سألني شخص هل أهاجر إلى بلد إسلامي متطور وفيه مستوى معيشة أعلى من بلدي فغالبا سأجيبه بنعم، لكن بشرط أن يكون هذا الشخص غير كسول، ويبذل جهده هنا أو هناك على حد سواء لتحقيق معيشة كريمة لنفسه ولأهله.

ذلك حقيقي إلى حد ما مع ذلك! أي أنه مثلا إذا كان شخص ما يعمل سباغا في الجزائر أو سباغا في أوروبا، فيمكنه تحقيق الكثير هناك بنفس الجهد والوقت! سيارة، بيت، معيشة كريمة، ومال يدخره!

هناك عامل مهم بالفعل، وهو أن طبيعة البلد نفسها تصنع فارقًا كبيرًا في حجم الفرص المتاحة. فمثلًا، إذا أخذنا الطلبة كمثال، نجد أن فرص العمل الجزئية أو التدريبية المرافقة للدراسة متوفرة في كثير من الدول الأوروبية بشكل منظم وواضح، بينما قد تكون نادرة أو شبه معدومة في معظم الدول العربية، وهذا وحده يفتح آفاقًا أوسع لمن يسعى لبناء نفسه مبكرًا. ولهذا أختلف معك في هذه الجزئية.

أما مسألة حكم السفر إلى بلاد الكفار، فهي قضية أعمق من أن تُحسم بجملة واحدة، ولا تخلو من تفاصيل واختلاف بين العلماء. فواقع المسلمين اليوم تغيّر كثيرًا، وهناك جاليات ضخمة مستقرة في أوروبا منذ أجيال، ومساجد ومراكز إسلامية نشطة، وبيئات يمكن فيها الحفاظ على الدين بل وخدمته. لذا، فالتعامل مع المسألة يحتاج نظرًا في حال الشخص، وهدفه من السفر، وقدرته على الثبات على دينه، لا الاكتفاء بحكم عام يُطبَّق على الجميع دون تفصيل.

ردا على كلامك الأخير، دعني أشارك معك أيضا المقال الذي كتبته منذ بضع سنوات يعالج هذا الموضوع:

بلاد الكفار لا تصبح بلاد مسلمين لأن فيها مساجدا وجاليات ومراكزا إسلامية نشطة... فهي تظل بلاد كفار وقد تكلم فيها الكثير من العلماء في هذه الجزئية بالذات، ومنهم الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه والألباني كما ذكرت في المقال المشار إليه.

والواقع يشهد أن الإقامة هناك (حتى مع وجود المسلمين) له ضرر كبير على المدى القصير والطويل، فإذا فرضنا أن المقيم هناك استطاع الحفاظ على دينه (وقلما يحدث ذلك) لن يستطيع أبناؤه غالبا الحفاظ، لأنهم محاطون من كل الجهات بحروب ممنهجة لم نسلم منها نحن في بلاد الإسلام حتى يسلمون منها هم في بلاد الكفار، فبين أنظمة دراسية منحرفة تروج للإلحاد والفساد العقائدي التام، وبين انتشار الشذوذ الجنسي وغيره من الآفات، وبين الانحلال الأخلاقي التام والحريات المطلقة والفتن المحيطة من كل جهة، وبين الاختلاط بالملحدين وسائر فئات الكفار المنحرفين الذين يسعون ليل نهار في بث سمومهم وشرورهم...

نعم، هناك تحديات كثيرة في البلاد غير الإسلامية، لكن بالنظر لواقع الحال، فحال كثير من بلاد الإسلام في طبائعه وعاداته وثقافتها أصبحت قريبة من البلاد الأوروبية للأسف، وهو ما يجعل الأمر نفسه يحتاج لإعادة نظر.

ولأني تعاملت مع المجتمع الإسلامي مثلًا في دول المهجر، رأيت نماذج مشرّفة استطاعت الحفاظ على دينها، بل وتقديم صورة راقية عنه، وربّت أبناءها على الإسلام بشكل أقوى مما كان عليه الحال في بعض بلدانهم الأصلية، لأن البيئة الصعبة دفعتهم لمزيد من التمسك والوعي والالتزام.

وبخصوص المقال، فلدي نصيحة عامة، وهي أننا لسنا بمفتين أو بعلماء حتى نكتب فتوى أو مقالًا بعنوان "هل يجوز كذا أو هل لا يجوز كذا؟" لأن الفتوى لها واقع وسياق زمني ومكاني مختلف، وتعتمد على ظروف السائل وتفاصيل حياته، ولا يمكن تعميمها على كل الناس بنفس الحكم، خاصة في مسائل معقدة كهذه تجمع بين الدين والواقع الاجتماعي والسياسي.

أنا لم أكتب فتوى، أنا كتبت مقالا يحتوي على ما قاله العلماء وحسب، بذكر المصادر وعزو الكلام لأهله.

المسألة تحتاج تفصيلا فقهيا وذكرا لكل القواعد الفقهية والأدلة التي يذكرها الطرفان، وهذا ليس موضع بسطها، والباحث عن الحقيقة له أن يقرأ من هنا ومن هنا، ويسأل أهل العلم الذين يثق فيهم، وإذا كان مخلصا نيته لله عز وجل سيهديه للحق المبين إن شاء جل وعلا.

لكن مع ذلك أنا لا أشجع أحدا على الاغتراب إلى أوروبا ولا غيرها من بلاد الكفار، لأن حكم الشرع في الهجرة إلى بلاد الكفار حرام.

كنت قد سمعت فتوى من الشيخ الشعرواي رحمه الله مفادها أن الشرع يحرم الهجرة إلى تلك البلاد إذا كان المهاجر لا يتسطيع أن يقيم فيها الفرائض ويمارس دينه إما إذا توفر ذلك فلا مانع.

إليك مقالا كتبته قبل سنوات، وهو منشور على مدونة blogspot قديمة غير مؤرشفة على الويب:

يحتوي الكلام التفصيلي، المصدر كلام الشيخ ابن عثيمين.

لا أرى كبير اختلاف بين كلام الشعراوي رحمه الله وكلام الألباني فالمعول هنا معرفة الدين معرفة صحيحة قبل الهجرة ثم الحاجة إلى الهجرة ثم القدرة على تطبيق شعائر الدين ولو تحققت تلك الأمور فلا بأس من الهجرة.

ليس كذلك كلام الألباني وابن عثيمين، هم أولا تحدثوا عن "السفر" لبلاد الكفار، وقيدوها بالحاجة لذلك السفر (مثل التداوي، التجارة، طلب علم لا يوجد في البلاد المسلمة أو موجود بجودة رديئة)

أما الهجرة بمفهوم الإقامة في بلاد الكفر، أو العمل هناك أو ما شابه ذلك، فهذا يحرمونه قطعا، بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أنا بريءٌ من كلِّ مسلِمٍ يقيمُ بينَ أظْهُرِ المشرِكينَ." وقال: "لا تَرَاءَى نارَهُمَا"

فالفرق بين هذا وذاك شاسع، وشخصيا لم أسمع كلام الشعراوي، ولأكون صريحا معك أنا لا أثق في علمه، لكن لا أريد أن يذهب النقاش إلى نقطة سلبية فأرجو أن لا تجادلني في هذا ولنتركه لوقت آخر أو للخاص.