صديقة لي كانت دائمًا تتكلم عن طفولتها بصوت منخفض تحكي إنها كانت تتعرض للإهانة المستمرة في البيت من والدها وسكوت الأم الدائم كلمة طيبة لم تسمعها منهم نجاحها الدراسي كان يُقابل بعبارات مثل "مش كفاية شفتي بنت خالتك أحسن" كبرت ومع كل موقف موجع كان قلبها يبتعد لكنها لم تستطع أن تكرههم بالكامل كانت تخدمهم وتراعيهم حتى وهي تبكي من الداخل حين دخلت الجامعة بدأت تدرك أن ما عاشته لم يكن أمرًا طبيعيًا وأن الحب لا ينبغي أن يكون مشروطًا بالإنجاز أو الطاعة العمياء لكنها ظلت تسأل نفسها هل ينفع أكون بنت صالحة وأنا زعلانة منهم؟ هذه ليست حكاية فردية فالكثيرون يعيشون صراعًا مؤلمًا بين الرغبة في البر والحاجة إلى التعافي بين احترام الوالدين والشعور الداخلي بالأذى نخشى التعبير عن ألمنا حتى لا نتهم بالعقوق لكن الحقيقة أن كثيرين يحاولون أن يكونوا أبناء صالحين رغم وجع دفين تسبّب فيه من كان يجب أن يكون مأمنهم
أن نكره أهلنا ونبقى صالحين... أليس هذا تناقض؟
أتفق جزئيًا، صحيح أن الأهل يخطئون وتعليق شماعة الأذى عليهم طوال الوقت هي عقلية ضحية ليس إلا، ونعم، نحن مسؤولون عن اختياراتنا وقراراتنا عند النضوج، ولكن بعض الأخطاء عندما تتكرر من الطفولة وتستمر عند النضوج، مهما حاول الأبناء شرح ضرر ذلك على نفسيتهم، أو حتى دون أن يشرحوا، أي أب أو أم "أسوياء" يمكنهم ببساطة معرفة إذا كان الأولاد يحبونهم ويعرفون كيف يتواصلون معهم أم لا، هل يحبون صحبتهم أم يحاولون التهذب في وجودهم فقط "حقوق الوالدين"، ما أقصده أن خلل التربية يدركه الأهل طبعًا عندما يروا التأثير في شخصيات الأبناء، وعليه أجد أن ثقافة الاعتذار ومحاولة تجدية التواصل، وغصلاح ما يمكن إصلاحه، مسؤولية مشتركة بين الأهل والأبناء.
أعتقد أن أقسى عقاب للأهل الذين تسببوا في أذية أطفالهم بتربيتهم الخاطئة هي نظراتهم لهم عند الكبر ولو كان الطفل بارًا بهم فهم يدركون جيدًا أن طفلهم لا يحبهم بل ربما يكرههم ولا يريد أن يكون قريبًا منهم.
يدركون هذا بعد أن انتهي كل شئ، فيبتلعون ما يدركونه في صمت لأنهم يعلمون أن لا مجال للإعادة فالحياة واحدة وما مضى لن يعود.
الأخطاء داخل الإنسان تكون مركبة ومتداخلة، وأحياناً تكون ببقعة عمياء، فقد يكون واحد من الأهل مر بظروف صعبة شكلت عقليته أن تكون صلبة لأنه لو كان عاطفي كان سيسقط بسهولة، فتشكل عقله بجدران صلبة واحد تلو الآخر وأصبح لا يعرف إلا الصلابة والمواجهة..
شخص كذلك لم يخطىء وهو بكل تأكيد ليس شخص سيء، لكن لو احتاج ابنه/ بنته جانب عاطفي منه في مشكلة...هو لا يحل المشاكل بهذه الطريقة، وبالتالي لن يقدم لهم ما يحتاجونه.
سيكون من ناحية قصّر في حق أولاده، ومن ناحية أخرى لم يخطىء، لأن ما انتظروه منه لا يتوافق مع عقليته التي تكونت عبر سنين.
أظن أن المشكلة هنا ليست في نية الشخص أو أخلاقه بل في طريقة تكوينه وخبراته السابقة أحياناً يضطر الإنسان أن يعتمد على القوة والصلابة ليواجه الحياة فيصبح هذا أسلوبه الوحيد حتى مع أقرب الناس له لكن المشكلة أن احتياجات الأبناء أو المحيطين به قد تكون مختلفة تماماً فقد يحتاجون دعمًا عاطفيًا واحتواء أكثر من الحلول العملية أو المواجهة المباشرة في النهاية هو لا يقصد التقصير لكنه لم يتعلم طريقة أخرى للتعامل يمكن الحل أن نبدأ نفهم بعضنا أكثر ونحاول نكسر هذه الحلقة تدريجيًا بدلاً من أن نحكم على الشخص أو نحمّله ذنبًا لا يعرف كيف يتعامل معه
التعليقات