حكمة الجرذ الأخير، حين يكون الموت هو المعلّم

أنا من أولئك الذين لا يُلتفت إليهم كثيرًا. صغير، رمادي، سريع، وحذر. في زوايا المدن، وتحت الأرض، وحول حاويات الطعام، أعيش. لا أحد يسألني عن اسمي، ولا عن عدد إخوتي الذين ابتلعتهم المصائد. لكنني، رغم كل ذلك، أتعلم.

في أول مرة رأيت فيها فخًا، كان أخي من وقع فيه. اندفع نحو قطعة خبز يابسة، بكل براءة الجوع، وبكل جهل الحياة. سمعت الطقطقة، ثم الصرخة. لم يدم الألم طويلاً، لكنني ظللت أذكر الصوت، والركود الذي أعقبه. لم أذهب إليه. اكتفيت بأن أراقب. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أندفع نحو الخبز، مهما بدا طازجًا. لقد مات هو، وتعلمت أنا.

بعدها، جاء اليوم الذي تغيّر فيه كل شيء. كانت الرائحة مختلفة، لكنها مغرية. زحف صديقنا نحوها. أكل بشراهة. ثم بدأ يتلوى. عيناه جمدتا. وها هي الحياة تُنتزع منه بلا ضجيج. لم أفهم وقتها، لكن حين سقط الآخرون تباعًا بعد نفس الوجبة، أدركت أن الطعام نفسه صار خائنًا.

نحن لا نملك رفاهية الفهم النظري. لا نكتب مذكرات، ولا نعقد اجتماعات للبكاء. لكننا نلاحظ. نربط. نحتفظ بالمكان والرائحة والشعور. نحفظ ما مات به غيرنا ونعيش عليه.

يقول البشر إنهم أذكى الكائنات. ربما. لكنهم يخطئون مرارًا، ويعيدون الأخطاء ذاتها. أما نحن، فنكفي بمرة واحدة. يكفي أن يموت أحدنا، ليتغيّر سلوك الجميع. يموت الواحد، لينجو العشرة.

وأنا، كلما نظرت إلى تلك الزاوية التي لم يعد منها أخي، أتذكر. وأتراجع. لا لشيء سوى أن عدو الأمس، لم يتغيّر. لا زال ينتظرني. يحمل فخًا جديدًا، بطعمٍ آخر. لكنه لا يعرف... أنني أنا من نجا. وأنا لا أنسى.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نميل كثيرًا إلى التركيز على من سقط، لا على من لاحظ وتجنّب. لعل الوقت قد حان لإعادة النظر في معنى النجاة: لِمَ نربط البطولة بالتقدُّم وحده، ونتجاهل التراجع الحكيم؟

من يتعلّم بصمت، من يلاحظ دون أن يتحدث، ليس غافلًا ولا عاجزًا، بل يمارس وعيًا مختلفًا.ربما علينا أن نُنصت أكثر لما لا يُقال، ونفكّر في النجاة لا بوصفها هروبًا، بل كخطة محسوبة.

وهذا مانسميه بالتعلم من خبرات الآخرين.