بيروت تابوت القصيد ومقبرة الحسناوات
_حين صارت المدينة قبراً للقصائد ومحبوبات الشعراء_
بيروت، المدينة التي كانت يوماً ما "ست الدنيا" وعاصمة الحرف العربي، تحولت في السبعينيات والثمانينيات إلى مقصلة للجمال. لم تكتفِ بقتل البشر، بل اغتالت القصائد في صدور شعرائها. هنا، في شوارعها التي كانت تعج بالحمراء والروشة، سقطت امرأتان.. فانكسرت قصيدتان، وبكاهما شاعران كبيران.
صارت بيروت "تابوت القصيد" كما سماها نزار قباني. تابوت دُفنت فيه بلقيس، وصُلبت فيه جفرا.
أولاً: بلقيس الراوي.. الغزالة التي ذبحوها مع الكلام
1. من هي بلقيس؟
عراقية من بغداد، سمراء الملامح، "أطول النخلات في أرض العراق" كما وصفها نزار. كانت تعمل في السفارة العراقية في بيروت. التقت نزار قباني وتزوجا قصة حب أسطورية، أنجبت له زينب وعمر.
2. يوم الاغتيال: 15 ديسمبر 1981
بيروت الغارقة في الحرب الأهلية. سيارة مفخخة بـ 200 كغ متفجرات تقتحم مبنى السفارة العراقية في منطقة الصنائع. الانفجار يهدم 3 طوابق. بلقيس كانت في مكتبها.. خرجت جثة هامدة.
61 شهيد في ذلك اليوم، لكن نزار لم يرَ إلا شهيدة واحدة.
3. المرثية: "ليست هذه مرثية"
نزار كتب قصيدة "بلقيس" وهو ينزف. لم يرثِ زوجته فقط، بل رثى العرب كلهم:
> شُكْرَاً لَكُمْ
> فَحَبِيبَتِي قُتِلَتْ وَصَارَ بِوُسْعِكُمْ
> أن تَشْرَبُوا كَأْسَاً عَلَى قَبْرِ الشَّهِيدَهْ
> قَتَلُوكِ فِي بَيْرُوتَ .. مِثْلَ أَيِّ غَزَالَةٍ
> مِنْ بَعْدِ مَا قَتَلُوا الكَلَامْ
> بَلْقِيسُ .. لَيْسَتْ هَذِهِ مَرْثِيَّةً
> لَكِنْ .. عَلَى العَرَبِ السَّلَامْ
سماها "تابوت القصيدة" لأنهم اغتالوا القصيدة قبل أن يغتالوها. بيروت قتلت الكلام، ثم قتلت بلقيس.
ثانياً: جفرا النابلسي.. القصيدة التي صُلبت عند الحاجز
1. من هي جفرا؟
فلسطينية من نابلس، طالبة في الجامعة الأمريكية في بيروت. اسمها الحقيقي "جفرا النابلسي". أحبها الشاعر عز الدين المناصرة حباً وصل حد الزواج. كانوا يُشاهدون معاً في شارع الحمراء، وفي وادي العرائش بزحلة. "ساحرة الجمال" كما وصفها من عرفها.
2. يوم الاغتيال: 1976
اجتياح بيروت وغارات إسرائيلية لا تتوقف. غارة جوية تستهدف المدينة.. وجفرا كانت هناك. استشهدت تحت القصف. لم يُعرف قبرها، ضاعت مثل آلاف القصص في الحرب. لكن المناصرة رفض أن تضيع.
3. القصيدة: "جفرا الوطن المسبي"
كتب المناصرة قصيدته الأشهر سنة 1976، فصارت جفرا رمزاً لفلسطين كلها:
> مَنْ لم يعرفْ جفرا فليدفن رأْسَهْ
> من لم يعشق جفرا فليشنق نَفْسَهْ
> جفرا جاءت لزيارة بيروتْ
> هل قتلوا جفرا عند الحاجز، هل صلبوها في تابوت؟؟
> في بيروت، الموتُ صلاةٌ دائمةٌ والقتل جريدتُهُمْ
> قهوتُهمْ، والقتل شرابُ لياليهمْ
> وإذا ذبحوا ... سَمَّوا باسمك يا بيروت
بيروت هنا ليست مدينة، بل "تابوت". حاجز وصليب ومقبرة. غناها مارسيل خليفة فبكت لها المسارح من موسكو إلى باريس.
الخاتمة: لماذا بيروت؟
1. القاتل مختلف.. والضحية واحدة
بلقيس قتلها تفجير "عربي" بامتياز. جفرا قتلها قصف إسرائيلي. لكن المدينة التي احتضنت الجثتين واحدة: بيروت. المدينة التي كانت ملجأ المثقفين العرب صارت مقبرتهم.
2. "تابوت القصيد"
نزار اختصر الوجع كله بجملة: _قتلوكِ في بيروت مثل أي غزالة من بعد ما قتلوا الكلام_.
المناصرة صرخ: _هل صلبوها في تابوت؟_
بيروت لم تقتل امرأتين، بل قتلت "المعنى". قتلت الحب، والشعر، والحلم.
3. المفارقة
بلقيس عراقية، وجفرا فلسطينية. واحدة زوجة، والثانية حبيبة. واحدة قتلها العرب، والثانية قتلها الاحتلال. لكن القصيدتين التقوا في نقطة واحدة:
بيروت القاتلة.
ومن يومها، كلما ماتت قصيدة في الوطن العربي، نقول: دُفنت في بيروت.
على هامش النص :-
قال نزار: _هذي بلادٌ يقتلون بها الخيول_.
وقال المناصرة: _ترسلني جفرا للموت_.
وبين الخيول المقتولة والشعراء المرسلين للموت.. نامت بيروت، وفي حضنها تابوتان:
تابوت اسمه بلقيس، وتابوت اسمه جفرا.
Hamedzaid22@gimal.com
تحياني
حامد زايد