بالتأكيد المجتمعات أحيانًا تكون غير متساهلة مع الشخص المختلف، وهذا في العادة يؤدي إلى تحطيم هذا الشخص، ولكن الهروب ليس هو الحل السحري، فهناك عدة أساليب أخرى، منها احترام أفكار المجتمع، وممارسة أفكارك الشخصية بصورة خاصة إلى أن تجد فرصة لتغير المجتمع والانفتاح، أو أن تجد فرصة في مجتمع آخر، ولكن ليس بمعنى الهروب، لأن الشخص الذي يهرب من مجتمعه في العادة، يشعر بالضياع ولن يجد مجتمع آخر يتقبله بالأحضان دون مقابل، فالأمر سيحتاج تضحيات أيضًا.
الموضوع من وجهة نظري ان المجتمع ليس هداما بقدر ما هو مثخن بالجراح، فلو تحدثنا عن المجتمعات العربية باعتبارها حياتنا، ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، خرجنا اغلب الشعوب العربية من عشرات السنون من الاحتلال وما يتضمنه من ثورات لمقاومته واعتقبت ذلك سنوات عجاف من حروب في المنطقة تلت الاحتلال وضيعت الثروات، وعشنا كأجيال متعاقبة في تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وطالتنا مثل كل مجتمعات العالم التغييرات التكنولوجية، وما فيها من غزو ثقافي... لم نلتقط أنفاسنا، لم نسترح.
المجتمع كله في رأيي مجهد، ولم يحصل حتى الان - من وجهة نظري طبعا- على فرصه للتخطيط لمستقبله ولم يحصل على وقته في الانتقاء والرفض لبعض الامور والدعم والتشجيع لأمور أخرى.
وبالتطبيق على مثال من داخل الأسرة للتوضيح، شاب لديه افكار مبدعة في مجال ما، ولنقل مشروع لشركة ناشئة، أبوه ليس لديه مال ، ويبحث له عن واسطة ليلحقه بوظيفة يحصل منها على مصروفه ليخفف الضغط على ميزانية الأسرة، وأمه ترى ان تخطب له ابنة فلانة لأن والدها صاحب مال يمكنه ان يعمل معه، ولا توجد مؤسسة حكومية او خاصة يمكنها ان تتبنى فكر هذا الشاب، وحتى ليس لديه مال للسفر للخارج، اي انه لن يستطيع الهرب إلا في قوارب غير شرعية. ماذا سيفعل؟
اعتقد الحل الوحيد ان يغلق الدرج على مشروعه ويختار من البدائل المتاحة : وظيفة بسيطة عن طريق ابوه أو يخطب عروسة ترشحها له امه.
هل الخطأ هنا يقع على أسرته الصغيرة أم على المجتمع الذي تسمينه هدام واسميه أنا مضغوط ومتخن بجراح أفقدته توازنه.
انا احسست جانب المكر والشر في كلمة هدام وكأنه مجتمع يتكون من اعداء النجاح. وفي هذه الحالة سنكره المجتمع وسنهرب منه غير اسفين عليه ولا متعاطفين معه.
أما مضغوط ومثخن ، فهو مريض وليس على طبيعته ولا في كامل لياقته فيمكننا ان نلمس له العذر ونصبر عليه ونقوم بتوعيته ونحاول ان نقلل همومه ونضيء له شعاع نور في النفق المظلم الذي يسير فيه.