- قضية الهروب المزيف"
الليلة التي ابتلعت فيها "جاردن سويت" رجل أعمال
كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرًا، لكن بهو فندق "الريفييرا" الفاخر لم يكن نائمًا تمامًا. الإضاءة الخافتة على أعمدة المرمر كانت تخفي القلق المكتوب على وجوه أفراد الأمن وموظفي الاستقبال، بينما انعكس صوت الرعد البعيد على أرضيات الرخام اللامعة.
على أريكة مخملية داكنة، جلس أحمد. لم يكن يرتدي بذلة رسمية كالآخرين، بل معطفًا خفيفًا أزرق داكن فوق قميص رمادي بسيط. كان منظره هادئًا، لكن عينيه تتحركان ببطء ودقة، لا تراقبان الأشياء بقدر ما تراقبان ردود الأفعال.
كانت المهمة صعبة: ريان الشريف، الملياردير المعروف والمحتكر لشركات التكنولوجيا، قد اختفى من جناحه الخاص، "جاردن سويت"، الواقع في الطابق الخامس المحصن.
"الأبواب لم تُفتح بالقوة، النوافذ كانت مغلقة، كاميرات المراقبة لم ترصد خروجه، والبصمات الوحيدة الموجودة تخصه هو وفريق خدمته المعتاد." قالها العقيد فهد وهو يمسح على وجهه بتعب.
رفع أحمد يده بهدوء، طالباً الصمت. كان عقله قد التقط شيئًا أهم من تقارير الشرطة: حركات حارس الأمن الواقف عند المصعد. كان الحارس يفرك مؤخرة عنقه بشكل متكرر، حركات تكشف عن توتر غير مبرر بالنسبة لشخص دوره الوحيد هو الوقوف بثبات.
"أين كان السيد ريان في آخر مرة شوهد فيها؟" سأل أحمد بصوته العميق الهادئ.
"كان في جناح الاستقبال في الطابق الأول، يلقي خطابه في حفل "جمعية الأيتام" الخيرية. غادر القاعة في تمام الحادية عشرة والنصف ليصعد إلى جناحه ليلاً." أجابه فهد.
"من رآه وهو يصعد؟"
أشار فهد إلى النادلة الشابة الواقفة على بعد أمتار، والتي كانت تضغط على كوب ماء بأصابعها بقوة. "هذه الآنسة نورا. كانت تخدمه مشروبه الأخير في المصعد الخاص."
نهض أحمد ببطء واتجه نحو نورا. لم يسألها عن المشروب أو المصعد، بل ركز على يديها المشدودة وطريقة وقوفها.
"هل أنت متعبة يا نورا؟" سألها بلطف.
نظرت إليه نورا بعينين واسعتين، وعقدت ذراعيها فجأة حول صدرها. "قليلاً، سيدي. كان يوماً طويلاً."
"بالتأكيد. هل كان السيد ريان يبدو طبيعياً عندما تركته؟"
"نعم. كان... هادئًا، ابتسم وشكرني. كان يفتح حقيبة يده وهو يدخل الجناح."
أحمد هز رأسه، لكنه لم يقتنع. لقد رأى شيئًا لم يقله فهد. عندما عقدت نورا ذراعيها، غطت عن غير قصد جزءًا من كم قميصها، كان هناك بقعة باهتة صغيرة كأنها لطخة زيت أو طلاء.
نظر إليها مجدداً، وعيناه تخترقان صمتها. "حقيبة يد؟ السيد ريان الشريف لا يحمل حقائب يد. كانت حقائبه كلها في غرفة الملابس عندما فُتح الجناح." ثم تابع بهدوء أكبر، "وإذا كان هادئاً، فلماذا كان قلبكِ يخفق بهذه السرعة لدرجة أني أستطيع سماعها من هنا، يا نورا؟"
نورا ابتلعت ريقها بصعوبة، ونظرت إلى الحارس عند المصعد بلمحة خاطفة. لاحظ أحمد النظرة، وفهم أن الحارس ونورا ليسا مجرد شاهدين، بل جزء من شيء ما أكبر.
"لم يخرج ريان من الجناح يا فهد،" همس أحمد، وعيناه لا تزالان مثبتتين على نورا. "بل هو لم يدخل إليه قط."
- "بالتأكيد. هل كان السيد ريان يبدو طبيعياً عندما تركته؟" سألها أحمد.
- "نعم. كان... هادئًا، ابتسم وشكرني. كان يفتح حقيبة يده وهو يدخل الجناح." أجابت نورا بتوتر.
- أحمد، الذي لم يغب عنه اهتزاز عينها اليمنى، تابع بهدوء أكبر: "وإذا كان هادئاً، فلماذا كان قلبكِ يخفق بهذه السرعة لدرجة أني أستطيع سماعها من هنا، يا نورا؟"
- الكشف عن السر
- تحوّل العقيد فهد نحو نورا والحارس، وكانت نظراته حادة. شعر أحمد أن الوقت يضغط، وأن السر سيتبخر إذا أُجبرت نورا على التحدث الآن.
- "دعني أريك شيئًا يا فهد،" قال أحمد، وتوجه مباشرة إلى المصعد الخاص المؤدي إلى جناح "جاردن سويت".
- بمجرد وصوله إلى لوحة الأزرار، ضغط على زر الطابق الخامس مرتين بسرعة. لم يفتح باب المصعد، لكن ظهرت إضاءة خضراء خافتة على زر غير مرقّم أسفل الزر الخاص بالطابق الخامس.
- "هذه الفنادق الفاخرة مصممة لإرضاء النزلاء المرموقين،" أوضح أحمد دون أن ينظر إلى أحد. "في الغالب، يكون هناك طابق خدمة سري بين طوابق الأجنحة لموظفي الخدمة الخاصة، أو... لهروب سري."
- نظر إلى نورا التي كانت تستمع بملامح شاحبة. "السيد ريان كان يفتح الحقيبة التي لم تكن حقيبة يد، بل وحدة تحكم خاصة لهذا المصعد. لقد ضغط على الزر السري، وصعد إلى الطابق المجهول بدلاً من جناحه."
- قامت نورا بخطوة إلى الأمام، وقد انهار صبرها. "هو لم يهرب!" هتفت بصوت مرتفع وهي تبكي. "هو وعدني بأن أختي التي في المستشفى ستحصل على المطة الطبية اللازمة إذا ساعدته!"
- تنهد أحمد، لقد كان حدسه صحيحاً. الجريمة لم تكن خطفًا، بل اختفاء ذاتي مخطط له.
- القصة الكاملة
- أمسك أحمد بذراع نورا بلطف: "أخبرينا كل شيء. أين الطابق السري؟"
- اعترفت نورا بأن الطابق السري، الذي لا يحمل رقماً، كان يُستخدم كـغرفة اجتماعات "آمنة" أو غرفة خلع ملابس إضافية للنزلاء الذين لا يريدون إزعاجاً. ريان الشريف، الذي كان يعاني من ضغط شديد بسبب فضيحة مالية وشيكة كانت ستدمر إمبراطوريته، خطط للهرب.
- لقد أعد الحقيبة، التي كانت تحتوي على ملابس عادية وجواز سفر بديل ومفاتيح شقة سرية.
- طلب من نورا أن تخبر الجميع أنه دخل الجناح، مقابل مبلغ مالي كبير لعلاج أختها، وتحديداً ليمنح نفسه ساعتين من الوقت قبل اكتشاف الأمر.
- الحارس كان قد أُمر بتعطيل جزء من كاميرات الممر لبضع دقائق، ليضمن أن دخول ريان للمصعد والوصول للطابق السري لم يوثق.
- وبمجرد أن دخل ريان المصعد، ضغط على الزر السري، وقضى الليلة في تلك الغرفة الصغيرة، ثم خرج فجرًا مرتديًا ملابس عامل صيانة وبمساعدة الحارس ونورا، غادر الفندق من باب الخدمة الخلفي قبل ساعة واحدة من قدوم الشرطة.
- أشار أحمد إلى نورا والحارس، وقال لفهد: "لقد ساعداه على الهروب، نعم. لكن دوافعهما لم تكن إجرامية صرفة، بل دوافع يأس. المذنب الحقيقي هو ريان الشريف، والآن نعرف أين نبحث عنه."
- بالنسبة لأحمد، كان اللغز قد حل. فالجناح لم يبتلع الملياردير، بل قام المصعد السري بـبصقه إلى عالم آخر، تاركاً وراءه فوضى البحث وراء اختفائه المزيف. كانت بصمات القلق والكذب على وجوه نورا والحارس هي الدليل الأوضح في هذا التحقيق