@: قصة وليدة لحظة خلوة وسكون
ايقاعات معصرة الزيتون
.في قريةٍ صغيرة محاطةٍ بأشجار الزيتون شمال الاردن، تبدأ الحكاية. تعوّد أهل القرية في هذا الموسم أن يجتمعوا عند المعصرة القديمة الحديثة، يجلبون أكياس الزيتون المحمّلة من حقولهم .حيث تجري المعصرة على إيقاع ثابت، صوت الماكينات يتداخل مع خطوات العمال ووقع حبات الزيتون وهي تتدحرج على سلم الغسيل وسقوطها عبر الفتحات، تجهيزاّ لرحلة التحول.
بين العمال كان يقف عبدالله، رجل مسن ذو وجه يحمل أثر عجلات الزمن على وجهه، وكان يعتبر رمز الحكمة في القرية. حين يذهبون بعض الشباب للجلوس بالغرفة المخصصة للتدخين والاستراحة، يتقدم عبدالله ليحدث الشباب عن الماضي، يروي كيف كان الناس يحضرون إلى هنا منذ عشرات السنين، يحملون آمالهم ومشقاتهم مع هذه الحبات الصغيرة. كانت تلك اللحظات، على إيقاعات المعصرة، بمثابة ربط غير منظور بين الماضي والحاضر.في زاوية أخرى، وقفت ساره الفتاة الصغيرة، تتأمل والدها وأجدادها وهم يعملون. كانت تراقب الحبات تتحول إلى قطرات زيت تلمع كالذهب السائل، وكانت تشعر بأن هناك شيئاً سحريا يحدث هنا، شيئا يربط بين جذور الأشجار وأرواح أهل القرية ومعيشتهم.
عندما انتهى الجميع من العمل، جلسوا معا، وتناولوا الخبز الساخن والزيت وسط أصوات ضحكاتهم. في تلك اللحظة، أدركت ساره أن هذه المعصرة ليست مجرد آلة لتحويل الزيتون إلى زيت، بل هي معزوفة من الحكايات، كل قطرة منها تروي قصة تضحية ومحبة وتاريخ حافل بالإنجازات والاخفاقات، وأنها ستظل شاهدة على تراث القرية، تجدد جذورها في قلب كل من يحمل ذكرى هذا الموسم.