الفصل الثاني: إخوة في الله
سافر محمد برفقة مجموعة من المعتمرين، وكان من بينهم من سيصبحون أصدقاءه في الرحلة، ورفاقه في السكن:
الحاج العربي: شيخ خجول في نهاية الستينات، قليل الكلام، وإذا نطق أخرج الحكمة، دائم التبسم، ملامحه تنضح بالسكينة.
الحاج عمر: أربعيني، ذو لحية كثيفة، يحب المزاح والأكل، صاحب نكتة حاضرة، لكنه سريع التأثر بالمرض.
الحاج عثمان: أيضًا في الأربعينيات، ذكي، واسع التجربة، كثير التنقل والترحال، مثقف في الدين والدنيا، حاد الكلام لكنه محبوب.
جمعتهم غرفة واحدة في الفندق، وكانت صحبتهم مليئة بالمزاح والطرف والنصائح. كان كلٌّ منهم يحكي قصة من حياته، وكانت الجلسات تمزج بين خفة الدم وصدق التناصح.
محمد، الذي كان في البداية غريبًا بينهم، وجد فيهم إخوة بحق. لم يكن يتوقع أن يكوّن مثل هذه العلاقة في وقت قصير. كانوا يعتنون ببعضهم البعض، يخرجون سويًا للحرم، يتبادلون الطعام والنصائح، وكان لكل منهم أثر في روحه.
وصلوا إلى المدينة المنورة، وهناك كانت أولى المفاجآت. رغم تأخر الطائرة عن الموعد المحدد لدخول الروضة الشريفة، شاء الله أن تُفتح لهم أبوابها بطريقة عجيبة، وتمكنوا من الصلاة داخلها، بل وأدركوا صلاة العصر فيها، وهو ما بدا لمحمد وكأنه تيسير سماوي.
ثم توجهوا إلى مكة المكرمة، وهناك، كانت أول نظرة إلى الكعبة كفيلة بأن تملأ قلب محمد بالخشوع والدموع. وقف مدهوشا، متجمدًا في مكانه، دمعت عيناه دون أن يشعر، وشعر أن قلبه يذوب من شدة التأثر. كانت المناسك كلها سكينةً، كأنما الله حضر في قلبه حضورًا لا يغيب. الطواف، السعي، والدعاء، كلها لحظات خالدة.
عند انتهائه من مناسك العمرة، استقل حافلة العودة إلى الفندق برفقة الحاج العربي. وفي الزحام، صُدم الشيخ من أحد الركاب، فأصيب في جنبه. بدا التعب عليه واضحًا، وعندما نزل من الحافلة، فقد وعيه تمامًا. صُدم محمد، وهرع لطلب النجدة، وهو في حالة هستيرية، يرى في الشيخ صورة جدته التي ماتت بين يديه. وهو يتساءل هل دعا هذا الشيخ بأن يتوفاه الله في حرمه كيف ذلك هل يمكن أنه استجاب الله له بهذه السرعة هو لم يتحلل من الإحرام بعد يا الله ما هذا الامتحان الذي أتيتني به محمد مع سرعة يحدث نفسه.
ساعده أحد الشبان، بينما كان المارّة يتجمعون. بعد قليل، أفاق الحاج العربي بصعوبة، وأخذه محمد للفندق، حلق رأسه، وتركه ليرتاح.
في إحدى الأمسيات، وبعد يوم مليء بالطاعات، اجتمع محمد ورفاقه في الغرفة بالفندق. جلسوا معًا كعادتهم، يتبادلون أطراف الحديث، وكانت الجلسة لا تخلو من المزاح والطرف، خاصة بين الحاج عمر والحاج عثمان، إذ كانت بينهما دائمًا مناقشات طريفة في أمور الدين والدنيا. يتحدثان عن كيفية عيش المسلم الحقيقي، ثم ينتقلان إلى الحديث عن متاعب الحياة وأحداثها، فيمزجان الجدية بالضحك، والحكمة بالحكاية.
أما الحاج العربي، فكان قليل الكلام، يستمع أكثر مما يتحدث، لكنه حين يتكلم، يصمت الجميع لما فيه من وقار وحديث نافع. وفي لحظة من لحظات الهدوء، قال بصوت هادئ:
– "أنا خدمة الخدمة العسكرية زماناً... كانت في عام 1975، في ثكنة للهندسة المعمارية، في العاصمة، قرب مصنع التبغ، مش بعيدة عن محطة القطار."
رفع محمد رأسه بسرعة وكأن كلمة "ثكنة" أيقظت ذاكرة قديمة. ارتبك قليلًا ثم قال:
– "هل كنتَ هناك فعلاً في تلك السنة؟"
رد الشيخ بهدوء:
– "نعم، أمضيت فيها مدة طويلة."
تردد محمد قليلاً ثم سأله:
– "هل كنتَ تعرف المساعد الأول محمد مختار؟ كان يعمل في مصلحة العتاد... رجل قوي الجسم، ذو وجه بارز…"
هز الحاج العربي رأسه وقال:
– "صراحة، الاسم مألوف... لكن ما أتذكره جيدًا، مرت سنوات طويلة."
سكت محمد قليلاً، ثم قال:
– "محمد مختار… هو جدي، هو من رباني…."
تفاجأ الشيخ، ثم نظر إلى الأرض محاولًا التذكر، ولكن دون جدوى.
وبقي الحاج العربي يحاول أن يتذكر ثم في اليوم التالي، وبينما الصحبة تشرب الشاي بعد صلاة العصر، نادى الحاج العربي على محمد وقال له:
– "لقد تذكّرته! نعم، تذكّرت جدك… كان رجلًا عظيمًا، وكان يحب أن يساعد الكل. كنا نحترمه كثيرًا، وكان محبوبًا حتى من المسؤولين."
اتصل محمد بأخيه، وطلب منه صورة قديمة لجده في زيّه العسكري. ما إن رآها الحاج العربي، حتى تغير وجهه وقال "نعم، هذا هو! رجل طيب، ما زلت أذكره."
دمعت عينا محمد، وعانق الشيخ، وقال له "جدي توفي منذ ستة أشهر فقط. لم أكن أتخيل أن أجد من يذكره هنا، في مكة، بعد خمسين سنة."
رد الحاج العربي "كان رجلاً نبيلاً، وذكراه باقية فينا."
غمرت الدموع المكان، وعمّت القشعريرة وجوه الجميع. لقد جمع الله بين حفيد وجندي سابق عرف جده قبل عقود، في أطهر بقعة على وجه الأرض. شعر محمد أن الله أكرمه بهذه الرحلة لا لشيء، إلا ليصل رحمه الذي مات جسدًا، وبقي حيًا في القلوب...
الفصل الثالث: دعوة من السماء
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش