15

ما الذي يجعل حدسك إيجابيًا بشأن مشروع ما؟

لطالما أثار هذا الأمر حيرتي واهتمامي لسنوات عديدة – وربما غيظي في بعض الأحيان كذلك – لصعوبة وضع معايير محددة لنجاح مشروع ناشيء.

بداية يجب أن نتفق أن المشاريع لا تنجح بالأماني، أو الرغبات الشخصية، وإنما يتطلب الأمر معادلة معينة واجبة الإتمام، حتى يرى هذا المشروع النور – بداية – ثم يحقق بعض النجاح ثانيًا.

حينما أتطلع إلى تاريخ مشروع أكبر متجر على سطح الأرض – أمازون – تصيبني الكثير من الحيرة. فحينما أعود إلى التوقيت الذي بدأ فيه بيزوس مشروعه، أجد أن الإنترنت بعد طفل وليد، لم يتعلم الحبو حتى يقدم بيزوس على مغامرة الاستقالة من عمل مرموق مستقر، والبدء في مغامرة لا يدري كيف ستكون عواقبها. ليس هذا فحسب، ولكن الصبر عليها أكثر من 7 سنوات حتى يحقق أرباح ملموسة، يمكن تسميتها: أرباح صافية Net Profit.

لو قُدِّرَ لي أن أكون حاضرًا لتلك اللحظات الهامة في تاريخ مشروع كهذا، لاتهمت بيزوس بالحماقة – ما اتهمه به الكثير من أصدقائه – ولكن الواقع يقول أن بيزوس كان رجل ذو رؤية، وكنا نحن الحمقى

حسنًا .. لنتوقف عن التغزل في بيزوس ولنعد إلى سؤالنا: ما هي المعايير التي تجعل من حدسي ناحية مشروع ما، إيجابيًا؟

الأمر لا يخلو من المغامرة والكثير من المخاطرة. ولكن باطلاعي على قصص النجاح المشابهة، رأيت عدة عناصر من الممكن التركيز عليها:

1. خلو الساحة

بيزوس حينما بدأ لم يكن هناك منافس. كان يعزف وحده.

جي كي رولينج هي أول من فكر أن يبني عالمًا خاصًا للسحر، له قوانينه وأسسه وعاداته ولزماته.

تولكين هو أول من فكر في إنشاء عوالم كاملة مستقلة عن عالمنا (كتاب ملك الخواتم هو أكثر المؤلفات البشرية مبيعًا في التاريخ، بعد كتاب قصة مدينتين لتشارلز ديكنز).

من بدأ لم يجد منافسًا، وتحمل عبء الخسارة وحده .. فإذا نجح، كان رائدًا، وإذا فشل، لم يسمع به أحد.

2. أن تكون مرتبطة بشيء سيعتمد عليه الناس كثيرًا في المستقبل

يحتاج الأمر أيضًا إلى قراءة جيدة للمستقبل، وهو أشبه بالعودة إلى موضوع (الحدس). بيزوس حينما بدأ – بيزوس مرة أخرى – اتخذ قراره بناءً على إحصائية نمو قرأها أخبرته أن نسبة استخدام الإنترنت زادت في عام واحد 2800%، فظن أن هذه التقنية سيعتمد الناس عليها كثيرًا في المستقبل، فاتخذ قراره بالبدء.

إديسون أبدع فكرة المصباح الكهربي، بناءً على استنتاجه من أن الكهرباء سيعتمد عليها الناس في شتى جوانب حياتهم مستقبلاً.

أكيو موريتا حينما فكر في اختراع ووكمان سوني (أول جهاز ووكمان Walkman في التاريخ)، كان يرى أن الناس ستشعر بسعادة أكبر حينما يأخذوا موسيقاهم المفضلة معهم أينما ذهبوا.

3. أن يغذي حاجة لدى جمهور لا يدرك حاجته لها

بالعودة – مرة أخيرة – إلى مثال بيزوس، سنجد أن الناس لم تكن تشتكي من شراء الكتب من متاجر الكتب التقليدية Bookstores، ولكن الأمر فعليًا شكل توفيرًا لا بأس به على الإطلاق في الوقت، وكذلك في حمى الشراء التي تصيب البعض في المتاجر، فيشتري أكثر مما يرغب في شرائه بالفعل.

لم يكن المصريين في حاجة إلى الجرائد، حينما أتى بها رفاعة الطهطاوي من فرنسا، ولكنها غاصت في نمط حياتهم، وشكلت وجدانهم وأدبهم وثقافتهم حتى الآن.

كان العالم على قناعة بما وصلت إليه تكنولوجيا الاتصالات السلكية واللاسلكية حينما قرر مارتن كوبر اختراع التليفون المحمول، ولكنه اخترعه على الرغم من سخرية زملائه ومنافسيه من مجهوده، ومن جدوى هذا الاختراع، أو رغبة الناس فيه. المحمول الآن تحول إلى نمط حياة.

إلى هنا توقف عقلي عن العمل (وكلها بالطبع استنتاجات، مبنية على استقراءات)

لذلك دعني أتعلم منك، وأعيد السؤال عليك:

ما الذي يجعل حدسك إيجابيًا بشأن مشروع ما؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

السر دائما يكمن في قياس مستوى فجوة المعرفة بين الحل المقدم والسوق / الشرائح المستهدفة

مدى جهازية البنية التحتية أو احتياجها مقارنة بالكلفة لك

في أواخر القرن العشرين - وتحديدًا عام 1997 - ظهرت خدمة التليفون المحمول في بلدي (مصر).

كانت المنافسة بين شركتين كليك وموبينيل (كليك أصبحت لاحقًا فودافون وموبينيل اشترتها Orange منذ فترة قريبة)

كان هناك شعار تتخذه موبينيل أعتبره بحق أكثر الشعارات عبقرية في تاريخ: المحمول في يد الجميع

حينما ظهر المحمول للمرة الأولى لم يكن من اهتمامات الشعب المصري، وحتى بعد انخفاض سعر الخدمة، أعرض عنه الكثير (أول جوال اشتريته كان عام 2005 ولضرورة قصوى).

القصد:

*من الممكن إقناع شريحة مستهدفة من السوق بأهمية صورية لما تقدم، حتى ولو لم يكن في حاجة فعلية إليه.

من كان في حاجة إلى المحمول؟

لا أحد .. الحياة كانت تسير لعشرات السنين بدون المحمول، وكان لدى الناس اكتفاء ذاتي بالتليفون الأرضي، ولكن حملة تغيير القناعات، حولت المحمول إلى أداة مهمة في التواصل، ثم قللت حجم استخدام التليفون الأرضي، حتى أنه لو كان هناك وسيلة لتقديم إنترنت مستقر ومرتفع الجودة في مصر بدون الحاجة إلى تليفون أرضي، تأكد أنه لن يقوم أحد باستخدام هذه الخدمة مجددًا .. هل رأيت إلى أي مدى تمكنت شركة مثل موبينيل من تغيير عقلية شعب بأكمله؟

يا صديقي .. البنية التحتية - حينئذاك - كانت تحت الصفر ببضعة سنتيمترات .. طريقة التفكير هل هي التي صنعت ثورة.

رائع أنك ذكرت هذا المثال :)

ما رأيك إذا عندما تعلم أن موبينيل فتحت بالتنسيق و برعاية امريكية وتم تسجيل عقد الرخصة بشكل شبه إجباري واستفادت موبينيل بحق الانتفاع بكافة سنترالات الحكومة المصرية كبنية تحتية بسعر لا يذكر وكل هذا تم باسم اوراسكوم تيلكوم وهذا التوجه والموقف ككل " فساد " اقتصادي و وسياسي وبناء عليه تأثر السوق بشدة لان فودافون عندما ظهرت و شاركت الحكومة لم يكن بمقدورهم اعتماد رصيد مسبق الدفع بقيم توازي توسع موبينيل وقتها لانهم مطالبون بتوفير نفقات اضافية باهظة لامتلاك شبكتهم الخاصة وسمحت الحكومة بهذه المهزلة حتي تستفيد من العمولات منهم كافة ونفس الأمر حدث مع اتصالات وتذكر بالتأكيد أن موبينيل كانت متفوقة في العروض والقاعدة الجماهيرية في البدايات ولفترة ليست بقليلة ولم تتساوى معها فودا قليلا إلا بعد عمر طويل وكان تحديدا مع خطة أسعار الساحر ووقتها تم تسريح فريق التسويق لموبينيل كاملا انتقل ثانيا لتسلسل الشركات اخير تتجبر الحكومة لتقضي على السوق كليا بظهور شركة وي التي تعد الشركة الوحيدة التي تعمل بموديل MVNO Mobile Virtual Network Operator

والسوق انتهي بالفعل = خدمات باهظة الثمن + مستوى خدمة رديء.

موبينيل ليست ساحرة ولا عباقرة هم فقط فاسدين

كم هو موضوع شيق ومهم وغني ... الفكرة الجديدة والثقة بالنفس وقراءة المستقبل نقاط قوة داخلية...الإصرار و المثابرة والصبر على الخسارة والنهوض مجددا....نقاط قوة خارجية..

قرأت مؤخرًا كتاب وجوه العبقرية الخمس (مكتوبة خطأ عن قصد) للكاتبة آنيت موزر - ويلمان.

تحدثت فيه عن الوجه الرابع من العبقرية، وتقصد به (الأحمق) وهي التي ذكرت قصة جيف بيزوس، كأكبر مبدع أحمق عرفه التاريخ. لا تقصد بها إهانة، ولكن تقصد الإبداع المتفرد الذي ليس له قواعد منطقية تدعمه.

من ضمن صفات الأحمق عند آنيت أنه شديد الصبر والمثابرة على فكرته حتى ترى النور.

الكتاب أكثر من رائع، كتبت عنه ملخص واف، وسأنشره في موقعي (ربما اليوم) وسأرفق لك إن شاء الله رابط الموضوع، في حينها. سيروق لك كثيرًا.

@Sana_Atiya_1990‍

رابط مقالي عن الكتاب كما وعدتك :)

أهتم برأيكِ في المقال .. وسأكون ممتنًا لو كتبتِ رأيك على المقال في الموقع كذلك :)

أنا سعيدة جدا بدعوتك لي لقراءة مقال شيق جدا عن هذا الكتاب ...لطالما تساءلت عن الأسرار التي تميز العباقرة عن غيرهم المقال فيه الكثير من المعلومات لدرجة أنني اشعر بأنني قرأت الكتاب كاملا وليس هناك حاجة لقرائته ههه...شكرا جزيلا استفدت كثيرا.

أرى أن أكبر عامل لنجاح مشروع ما هو الشغف الحقيقي لصاحب المشروع. فإن كان مؤمناً بما يقدمه شغوفاً محباً له حقاً فسيستهلك من أجله الغالي والنفيس: وقته وماله وربما صحته، وكذلك الهدوء والتروي في اتخاذ القرارات فسينجح هذا المشروع.

أديسون ظل يفشل ويفشل ويفشل ويفشل ويفشل ويفشل ويفشل مرارًا وتكرارًا إلا أن هوب نجح، لو كنت موجودٌ حينها لقلت عليه أنه مجرد شخص فاشل واهم مغيب لا يعرف متى يتوقف. ولكنه كان مؤمناً بما يقوم به فظل يدرس سبب فشل المحاولة السابقة في كل مرة إلا أن نجح وها نحن ذا كلنا نستخدم اللمبات.

ما العامل الذي كان يحرك أديسون رغم فشله ولم يجعله ييأس؟؟ إنه حبه وشغفه بما يفعله

كذلك أعتقد أن بيزوس لم يكن ليصبر 7 سنواتٍ على متجر إلكتروني إلا أن يبدأ في رؤية الأرباح. فالنفس البشرية ملوله إن لم تجد عامل حفزي الآن للاستمرار.

إذاً ما الذي لم يجعل بيزوس لا يمل أو ينثني عمّا يفعل طيلة 7 سنوات؟ لأنه كان يريد فعل ذلك بشده تخلى عن وظيفته المستقرة حينها (فأستهلك من أجل تحقيق حلمه وحبه وإيمانه ذاك وظيفته التي كان لربما يشحذ بعد ذلك القرار).

في رأيي أنا: إن كنت محباً حقاً لما تفعله هذا مؤمناً به فلن ينجح ما تفعله رغم توافر كل ظروف النجاح، ولكن إن أمنت وأحببت حقاً فسينجح ما تفعله نجاحاً باهراً رغم كل المعوقات.

بكل تأكيد هناك عوامل أخرى ولكن القاعدة والأساس والمحرك لكل هذا هو شغفك وحبك حقاً

هذا ليس كلام تنمية بشرية، فأنا أمقت وأبغض كلام التنمية البشرية ذاك آراه يبيع كلاماً وهماً فقط.

ما هذا إلا رأيي ووجهة نظري.

الشغف نقطة لا يمكن تجاهلها، فهي التي صنعت نجاح العشرات عبر التاريخ.

لست أدري إن كان حدسي يصيب دائمًا أم لا؟

ولكن أنا على يقينٍ تام بأن البداية الصحيحة لأغلب الأعمال تنتهي بنجاح عظيم، مع وجود بعض العوامل التي قد تلعب دورًا في نجاح المشاريع وغيرها.

هذا هو الشكل المنطقي للنجاح .. ما أتحدث عنه هو الشكل غير المنطقي من التفكير، والذي ينقلب غالبًا لنجاح ثوري.

سد فجوة عملاقة .. بإذن الله عز وجل آمين