صراع مع قلبي

# صراع مع قلبي

أردتُ أن أبتعد عنها، وأن أضع حدًّا لحكاية أثقلت قلبي بالألم، لكن كلما عزمت على الرحيل، نهض قلبي في وجهي معاتبًا:

— أتريد أن تبتعد عنها حقًّا؟

— نعم، لقد تعبت.

— تعبت من الحب، أم من الألم الذي صاحبه؟

— تعبت من أن أمنح قلبي لمن لا يعرف كيف يصونه، ومن أن أبحث عن الطمأنينة في مكانٍ يضاعف قلقي.

صمت قلبي قليلًا، ثم سألني:

— وهل تظن أن الرحيل سيمحو ما شعرت به؟

— لا، لكنه قد يمنحني فرصة لأستعيد نفسي.

— أتريد أن تعاقبها بالغياب، أم أن تنقذ نفسك من وجعٍ طال؟

ترددت. فقد اكتشفت أنني، حتى وأنا أقرر الرحيل، ما زلت أنتظر منها شيئًا؛ كلمة تعيد إليّ الأمل، أو موقفًا يثبت أنني لم أكن وحدي في هذه الحكاية.

قلت له:

— لا أريد عقابها، ولا أريد أن أخسرها. أريد فقط ألّا أخسر نفسي وأنا أحاول الاحتفاظ بها.

قال قلبي:

— إذن، لماذا لا تتمسك بها؟

— لأن التمسك وحده لا يصنع علاقة. الحب ليس أن يحمل أحدنا العبء كله، ثم يقنع نفسه بأنهما يسيران معًا.

— ولكنك تحبها!

— نعم، وما زلت أحبها. وهل يعني الحب أن أقبل كل ما يؤلمني؟ وهل تصبح كرامتي ثمنًا لا بد من دفعه كي أبقى قريبًا ممن أحب؟

— ألم يكن هذا الحب جميلًا؟ ألا يستحق أن تمنحه فرصة أخرى؟

— كان جميلًا، ولهذا لا أريد أن أراه يتآكل أمام عينيّ.

لم يجب قلبي. بدا كأنه يبحث عن حجة يعرف مسبقًا أنها لن تكفي.

نظرت إلى السماء؛ كانت النجوم بعيدة، والقمر حاضرًا في عتمة الليل. تأملت المسافات التي تفصل بين الأشياء، وكيف يمكن لشيئين أن يجتمعا في مشهد واحد، دون أن يفقد أيٌّ منهما مكانه.

قلت:

— لست أطلب حبًّا بلا خلاف، ولا علاقة لا تعرف الألم. أريد مودةً تجعل الخلاف طريقًا إلى الفهم، لا سلاحًا للجرح. أريد أن أكون معها على طبيعتي، لا أن أقضي عمري أشرح لها لماذا يؤلمني ما تفعله.

سألني قلبي:

— وماذا لو عادت؟

— سأترك للأفعال أن تجيب. فالكلمات قد تفتح الباب، لكنها وحدها لا تبني بيتًا آمنًا.

— وماذا لو لم تعد؟

تنفست بعمق، ثم قلت:

— سأحزن، وربما أشتاق، ولن أدّعي أن الأمر هيّن. لكنني سأتعلم أن بعض ما نحبه لا يصلح أن يكون موطنًا لنا، وأن صدق مشاعرنا لا يضمن أن تجد طريقها إلى قلبٍ يبادلها الصدق نفسه.

قال قلبي بصوت خافت:

— أخشى أن تندم.

— وأنا أخشى أن أقضي عمري نادمًا لأنني تجاهلت نفسي. لا أريد أن أطفئ حبًّا جميلًا، لكنني لا أريد أيضًا أن أسمح للألم بأن يصبح اسمه الآخر.

هدأ قلبي، ولم يعد يعترض كما كان. ربما لم يقتنع تمامًا، لكنه أدرك أنني لا أحاول الانتصار عليه؛ فأنا وهو نحمل الوجع نفسه، وإن اختلفت طريقتنا في احتماله.

أدركت يومها أن الرحيل ليس دائمًا نقيض الحب، كما أن البقاء ليس دليلًا كافيًا على صدقه. قد نبتعد ونحن نحب، لا لأن المشاعر انتهت، بل لأننا نحتاج إلى علاقة لا يضطر فيها أحدنا إلى دفع ثمن كرامته كي يحتفظ بالآخر.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

Djawhar أضف ردا

عندما تتعب القلوب تترجم الكلمات آلامها و يتدخل العقل بقراره القاسي ليريحها... ليس كل رحيل نهاية ولا كل بقاء احتواء ولكل طرف كرامة تصان وتحفظ.......