تشويه الفطرة

لم يعد الإنسان أقرب إلى ذاته… لم يعد بسيطًا، لم يعد صادقًا، لم يعد متوافقًا مع قلبه وعقله وروحه، لم يعد يُصغي لذلك الصوت الداخلي الذي كان يرشده، لم يعد يثق بإحساسه الفطري كما كان من قبل، لم يعد يشعر بالسلام حتى حين يحقق ما كان يظنه حلمًا، لم يعد يعرف نفسه كما كان يعرفها يومًا ببساطة ووضوح. لم يعد يتأثر كما كان… لم تعد المواقف توقظ قلبه، ولا الكلمات الصادقة تحرّك فيه شيئًا عميقًا، لم يعد الألم يوقظه، بل أصبح يمرّ عليه وكأنه شيء عابر، لم يعد يتوقف ليفهم نفسه، ولا يسأل: لماذا أشعر بهذا؟ بل اعتاد أن يهرب، أن يلهو، أن يملأ الفراغ بأي شيء… إلا أن يواجهه، لم يعد يرى الجمال كما كان، ولا يشعر بالامتنان كما كان، ولا يكتفي بما لديه كما كان… وكأن شيئًا في داخله انطفأ بهدوء.

كيف كان في الماضي .........

يعرف الصواب دون أن يُعلَّم، ويشعر بما يجرح الآخرين دون أن يدرس الأخلاق. كان قلبه حيًا، سريع التأثر، يبكي إن أخطأ، ويهدأ إن أحسن، ويطمئن حين يكون صادقًا مع نفسه. كانت فطرته واضحة، لا يحتاج إلى دليل ليعرف الطريق، ولا خريطة ليعرف الاتجاه. كان يتصرف بانسجام، دون هذا الصراع المستمر داخله، يشارك، يعطف، ويسامح دون حسابات معقدة. كان يرى الخير بسيطًا، والحق واضحًا، والحياة أقرب إلى الفهم، وأقل ازدحامًا بالضجيج والتناقضات. كان يعرف متى يتوقف، ومتى يعتذر، ومتى يعود… لأن داخله كان يقوده بلا ارتباك. كل حركة، كل نظرة، كل قرار كان ينبع من الداخل، من فطرة متوازنة أودعها الله فيه، تجعل الإنسان يعيش بانسجام مع ذاته ومع العالم من حوله. ومع مرور الزمن، بدأت هذه الفطرة تتعرض لتجارب الحياة، ولضغوط المجتمع، ولإغراءات الهوى، لا دفعةً واحدة، بل شيئًا فشيئًا… حتى لم يعد الانحراف صدمة، بل أصبح عادة، ولم يعد البعد عن الفطرة غريبًا، بل مألوفًا، ولم يعد الإنسان يشعر أنه فقد شيئًا… رغم أنه فقد نفسه.… فبدأ التوازن ينكسر، وصارت بعض الملامح، بعض التصرفات، وبعض المبادئ… مجرد ظلال لما كانت عليه في الأصل. وهنا بدأ الصراع .

صراع بين ما خُلق له وما أصبح عليه، بين الفطرة والطموح، بين الداخل والظاهر، بين السكينة والاضطراب

لم يعد الإنسان كما كان من قبل…

ومن هنا نفهم أن هذا الصراع لم يعد مجرد صراع بسيط، بل أصبح صراعًا حادًا بين ما يشعر به في داخله، وما يفرضه عليه العالم من حوله. كل مظهر خارجي متقن قد يخفي اضطرابًا داخليًا، وكل ابتسامة قد تُخفي ألمًا لا يجد له لغةً ليُعبّر عنه. أصبح الإنسان يتصارع مع نفسه، ومع صورته، ومع عالمٍ لا يتركه كما هو، بل يزرع فيه شعورًا دائمًا بأنه غير مكتفٍ، وأن ما يملكه لا يكفي، وأن عليه أن يكون أكثر، ويملك أكثر، ويُثبت أكثر.

هذا العالم لم يكتفِ بتشتيته، بل أعاد تشكيل إحساسه بذاته، حتى بدأ يشكّ في سلامه الداخلي، ويقارن نفسه بما يُعرض عليه، ويبتعد شيئًا فشيئًا عن بساطته الأولى. وهكذا، لم يعد يشعر بالنقص لأنه فارغ، بل لأنه أُقنع أنه فارغ…بينما في داخله، كان هناك دائمًا شيء مكتمل، شيء فطري بسيط، كان يكفيه ويمنحه التوازن والسعادة، قبل أن يتدخل العالم ويشوّش هذا الصوت.

فالملامح الخارجية، الحركة، النظرة، الابتسامة… كلها رسائل، لكنها رسائل مقلوبة أحيانًا، تعكس الإنسان الذي ابتعد عن فطرته، الإنسان الذي يسعى لكل شيء حوله ويملك الكثير، لكنه لا يشعر بالرضا، ولا بالسكينة التي تولد من الانسجام مع النفس والفطرة.

في النهاية أتمنى أن نعود إلى فطرتنا السليمة، إلى ذاك الصوت الداخلي الصادق، إلى جوهرنا الذي خلقنا عليه، حيث السلام، والصدق، والسكينة ليست حلمًا، بل طبيعتنا الحقيقية التي تنتظر منا أن نكتشفها من جديد.

جلنار آدم

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لا أعلم سبب هذا التحول ولكنه قد يكون بسبب ما نعانيه من صراعات خارجية وداخلية، أو نتيجة عدة صدمات ومشاكل، أو خيبات أمل متكررة، أو ربما مزيجًا من كل هؤلاء، لكن على أي حال لا يمكننا الاستسلام لذلك الشعور، وأول ما علينا فعله هو العودة إلى الله وفعل ما يرضيه والبعد عما يغضبه، ثم الشعور بما لدينا وحولنا من نعم والامتنان لوجودها من أصغرها لأكبرها، حينها سندرك كم نحن على قدر كبير من الحظ وأفضل من حال الكثير.

تماما،كما تفضلتي ،الامتنان لما لدينا من نعم صغيرها قبل كبيرها يُشعرنا بالرضا والاطمئنان،والسلام الداخلي وهذا مبتغى الإنسان على الفطرة السليمه

العودة إلى الفطرة السليمة تحتاج منا إلى أن يكون لدينا إيمان صادق ولا ندع الأحداث والصراعات الخارجية تؤثر علينا بشكل يغير في ثوابتنا، ولكن مع الأسف من الصعب جداً ألا نتأثر بما يحدث، فهكذا الإنسان يتردد بين الخير والشر الذي داخله يحيد عن فطرته تارة ويعود إليها تارة المهم ألا يستسلم ولا يحاول.

أوافقك عزيزتي،لن يسعد الإنسان في الراحة التامه،ولن يسعد في الشقاء التام ولكن جُبل الإنسان بين الخير والشر بين الألم والأمل، بين العطاء والأخذ،بين الفرح والحزن ،فالنفس موقعها الحقيقي بين الخارج والداخل،من يستطيع أن يعيش الا في صراع اصلاً، وهنا يظهر التمايز بين الناس.

الانسان عاني قديما من الانظمة الطبقية التي لا تسمع له بالترقي الاجتماعي ويعاني حاليا من الانظمة التي تسمح بذلك وتتهمه بالتقصير لو فشل في الترقي ، متي سيستريح الانسان اذن ؟!

اختي..

في الحالتين، التعب واحد… لكنه تغيّر في الشكل فقط....صحيح

ربما الراحة لا تأتي من نظام مثالي، بل من فهم حدود أي نظام والتصالح مع فكرة أن القيمة الإنسانية لا تُقاس فقط بالترقي أو النجاح.

الإنسان قد لا يستريح تمامًا… لكنه يتعلم كيف لا يجعل السباق يلتهمه.

ولكن لو انت شخص طموح فسيكون نظام جامد بالنسبة لك سجن ولو كنت تفضلين الاسترخاء فاءن نظام يجبرك علي الركض سيكون جحيما .

لا يوجد نظام يصلح للجميع ابدا ومع ذلك مضطرون للعيش في مجتمع بقواعد موحده !!

كلماتكِ لمست الوجع المشترك.

لقد وصفتِ بدقة "الاغتراب" الذي نعيشه حين استبدلنا بوصلتنا الداخلية بخرائط رسمها لنا الآخرون.

​الحقيقة المرعبة هي أننا لم نفقد أنفسنا فجأة، لكننا خسرناها "بالتقسيط"؛ مقايضةً خلف مقايضة، حتى أصبح تزييف المشاعر مهارة بقاء، والعودة للفطرة البسيطة مغامرة تتطلب شجاعة استثنائية. ما نحتاجه اليوم ليس "تطوير" ذواتنا كما تروج الإعلانات، بقدر تحررنا من كل ما أُضيف إليها قسراً لنسمع ذلك الصوت القديم الصادق من جديد.

​شكراً لهذا النص الذي يوقظ فينا الرغبة في العودة..

العودة إلى حيث كان كل شيء حقيقياً وصادقاً وبسيطاً.