رَجَعَ بخُفَيْ حُنَيْن! (قصةٌ ومَثَلٌ)

وعلى عادة كتب اللغة والأدب والأمثال تجد فيها فوائد كثيرة، فأصلُ هذه القصة أن هذا الرجل الذي يُدعى حُنَيناً كان إسكافا (صانع أحذية) من أهل الحِيرة، ظهر له أعرابي يرغب في شراء بعض البضائع، فبدأ يفحص البضاعة ويسأل عن أسعارها، كان الأعرابي يقول "هذا جميل، لكنه لو كان بهذه الصفة كان أفضل"، وكذلك يقول عن الأشياء الأخرى، إلى أن أُعجبَ الأعرابي بحذاءٍ وسأل حُنينًا عن سعره، فحاول حُنين أن يزيد في سعره بشكل مبالغ فيه، استمر الجدال حول الثمن لفترة طويلة، مما أثار غضب حُنين وإحباطه، وفي النهاية رحل الأعرابي دون شراء الحذاء، شعر حُنين بالغضب والرغبة في الانتقام من الرجل، فقرر التخطيط لذلك، أخذ زوج الأحذية وسبق الأعرابي في طريقه، ثم ألقى الحذاء الأول في الطريق واستمر في المشي، وبعد مسافة قصيرة، قام برمي الحذاء الثاني، ثم اختبأ ليراقب ردة فعل الأعرابي من بعيد، استمر الأعرابي في رحلته على دابته حتى وجد الحذاء الأول، وعندما رأى أنه يشبه الحذاء الذي أعجبه عند حُنين، قال في نفسه إنه لو وجد الحذاء الثاني، لكان بإمكانه امتلاك زوج الأحذية والاستفادة منهما، لذا قرر العودة للحذاء الثاني، في تلك الأثناء، قام حنين بسرقة دابة الأعرابي انتقامًا منه، ولما عاد الأعرابي فرحًا بالعثور على زوج الأحذية، لم يجد دابته التي كانت تحمله وتحمل متاعه، امتلأ الأعرابي حزنًا وندمًا على حظه السيئ، وعندما عاد إلى قومه، سألوه عن راحلته، فأجاب الأعرابي بحزن ويأس، قائلاً: "جئتكم بِخُفَّيْ حُنَين" أو "حِذَاءَيْ حُنين"، فصارت مثلاً يُضرَب عند اليأس من الحاجة، والرجوع بالخيبة، وهكذا انتشر المثل بين الناس عبر الأجيال.

فأصل المثل أُخِذَ من هذه القصة ثم انتشر ليصير مثلًا يُضربُ لكل من أخفق في مهمة ورجع منها بلا فائدة، بغض النظر عن مسلك أطراف القصة، لكن تتسم الأمثال بالقبول وتشتهر بالتداول.

قال إبراهيم النظام: يجتمع في المثل أربعة لا تجتمع في غيره من الكلام: إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية، فهو نهاية البلاغة.

وقال ابن المقفع: " إذا جُعِلَ الكلام مثلًا كان أوضح للمنطق، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث".

ويجدر بي أن أهمس في أذن كل من يسعى في حاجةٍ ما، يريد تحقيقها: لا تيأس ولا تمل من سعيك، واعلم أن الناجحين قبل نجاحهم مروا بنوبات فشل، لكن إصرارهم على النجاح كان في حد ذاته نجاحًا.

قال بعضهم: الفشل هو النجاح إذا كنا نتعلم منه.، واعلم أن المتفائل مر بكثير من محطات الفشل لكنه لم يقف عندها.

ويا كل من لم يتحقق حلمه، وكل من حاول ولم ينجح، حاول مرة أخرى ولا تيأس، واقرأ قصص الناجحين تجد عندهم قصص فشل كثيرة، لكنهم تعلموا من فشلهم وحولوه إلى نجاح!، يحضرني مثال واقعي على مآسي الفشل التي تحولت فيما بعد إلى نجاح باهر (جوان رولينج) امرأة رفضتها جامعة اكسفورد لعدم اجتيازها امتحان القبول، وتزوجت ثم باء زواجها بالطلاق والفشل، بعدها فجعت بموت أمها، عانت من الفشل والاكتئاب لدرجة أنها فكرت بالانتحار، ثم جاءتها فكرة رواية (هاري بوتر) الضخمة، بيع منها نصف مليار نسخة تقريبًا وصارت الرواية الأشهر والأكثر مبيعًا في التاريخ بعد أن رفضها الكثير من دور النشر قبل ذلك!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

جميلة هذه المشاركة، بالفعل الأمثال العربية مثيرة جدًا للاهتمام والقصص التي وراءها في أغلب الأحيان تكون تستحق الاهتمام والمعرفة لكن القليل من الناس يبحث عن أصول تلك الأقوال وقصصها هذه الأيام، أيضًا محاولة فهم السياق الذي ظهر فيه المثل مفيد من الناحية اللغوية للشخص ولإثراء لغته، أرجو أن يكون لك مشاركات أخرى مثل هذه.

أشكرك أخي الكريم ، وأحسنت التعليق فتشجيعك على البحث عن أصول الأمثال والأقوال ضرب من ضروب إحياء التراث اللغوي

أتذكر دراستي من سنين عديدة في منهج اللغة العربية في الثانوية العامة وإلى اليوم لم أنسى هذا المثل والعبرة منه، لدجرة أنني استخدم المثل حتى الأن لو فضلت في أمر ما فأقول لنفسي " رجعت بخفي حنين." ولكني أخذ العبرة الكاملة وأن لا يقف الفرد على ما فاته أو كما قال العرب قديما أيضا "البكاء على الأطلال" فالفشل والحنين إلى الماضي كثيرا ما يجعلنا نقف في مكان ثابت دون النظر إلى الأمور المستفادة من الحدث نفسه.

نعم أخي الكريم أحسنت ، فلابد من أن نلفت الانتباه إلى أخذ العبرة من الأمثال ، وسرد قصة المثل إنما هو لمعرفة السياق الذي قيلت من أجله حتى يمكن لنا الفهم والاعتبار

الأمثال تختزلُ بإبداعٍ بليغَ الأقوال، وتحكي في كلماتٍ مآلَ الأحوال، وفي كلٍّ مثلٍ لنا عبرة، صاغها أهلُ الخبرة، وتناقلتها الأجيال.

ما أجملَ اللغةَ العربية وأجزل معانيها، فهي بحق لغة روح ومعنى، لغة الكلمات القليلة التي تحمل المعاني الكثيرة، أحسنتِ أختي الفاضلة

وهذا ما يجعلنا نقول إن لكل قصة نجاح تظهر أمام أعيننا قصص فشل لم نراها، ولولا الفشل ما عرف النجاح، فأصل النجاح في المحاولة والسعي وتكرار السعي وليس شرطا في النجاح أن يكون في المرة الأولى، فأغلب الناجحين كانوا فاشلين سابقين.

رجع بخُفيّ حُنين - أذكر أنني مرّة شاهدت كوميديان سوري رائع يشرح هذا المثل على طريقته الخاصّة، أعجني المثل جداً، هذا الكوميديان كانت لديه سلسلة من الفيديوهات الأخرى على وافق شنّ طبقة..إلخ من الأمثال، تدهشني بالذات اللغة العربية في هذه المسألة وتفرّدها بالأمر تقريباً بهذا الجمال والشعرية، وكيف أنّ الأمثال عندنا أحياناً تلخص الكثير من الحكمة والخبرة الجمعية المختزنة فينا، وتنتقل عبر الأجيال من خلال التقليد الشفهي، هذا أمر يأسرني بصفتي شخص مهتم جداً باللغة العربية وطريقة تشكّلها واستخدامها. لاحظت أيضاً أنّ الأمثال يمكننا اعتبارها بمثابة مستودعات ثقافية تنقل القيم والمعتقدات والأعراف الاجتماعية الخاصة بالعالم العربي، لذلك من خلال فهم الأمثال يكتسب المرء نظرة ثاقبة حقيقية للنسيج الغني بالثقافة والتقاليد العربية.

طبعاً لا بُد أنّ هناك أيضاً معلومات مغلوطة أو تجاوزها الزمن كوعي علينا أن نتعامل مع الأمر فيها بفكاهة أو بشكل تأريخي وفقط دون أن نأخذ هذا المثل على سبيل الاعتراف به، مثل: طب الجرّة على تمها تطلع البنت لأمها! .