(أعتذر بسبب مشكلة في الإنترنت لم أستطع تعديل التعليق وسأضيف إليه في هذا الرد)
*ولكن سأعرض سبب المشكلة في رأيي:
١) أنهم لا يسارعون في تعريب هذه المخترعات إلا بعد فوات الأوان، أي حتى بعد أن تشيع الكلمات الأجنبية فتصبح الكلمات المعرّبة ثقيلة على الاستخدام. والحل أن تكون هذه المجامع على تحديث دائم بكل ما وصل إليه العلم وتطبيقاته الحديثة.
٢) عدم الاتفاق على تعريب موحّد، فكل مجمع أو باحث لغوي يعمل في جزيرة معزولة بدون أدنى تنسيق، وهناك مجامع في مصر وسوريا والعراق والمغرب (على ما أظن) وفي السعودية وغيرها، وكل واحد منها يعمل منفردا. والحل وجود تنسيق وسيكون غاية في السهولة بسبب وجود الإنترنت، ولكن بسبب الخلافات السياسية وإعجاب كل ذي رأي برأيه لم يتحقق هذا.
٣) عدم التدريس الجامعي في كثير من الجامعات العربية باللغة العربية وخاصة للتخصصات التي تتحدث باستمرار (العلوم الحاسوبية نموذجا) وهذا يؤدي إلى ضعف النشر العلمي وضعف الاهتمام بتعريب العلوم ومصطلحاتها.
٤) القطيعة بين المجامع العربية والأكاديميين من جهة ووسائل الإعلام التي تنشر المحتوى على نطاق واسع من جهة أخرى، وأظن أنه لو كان هناك تنسيق بين الطرفين واستُخدِمت هذه الكلمات المعرّبة باستمرار لكانت مستساغة ومقبولة ولن تكون مادة للتندر والسخرية.
٥) أن النشر العلمي والتقني العربي ضعيف جدا جدا، ولذلك لا يوجد اهتمام حقيقي بالمصطلحات، وما وراء هذه المصطلحات ولذلك تبدو هذه التعريبات (ترفًا لا طائل منه).
٦) للعلم فهناك معاجم في معظم التخصصات تقريبا (في الطب والهندسة وغيرها من العلوم) ولكن للأسف فهي حبيسة المجلدات الضخمة العتيقة. والحل بتوفيرها إلكترونيا في مواقع ويب وتطبيقات جوال، فهذ الجيل لا يعرف البحث في المعاجم ولكن يعرف البحث في التطبيقات الإلكترونية.
٧) عدم وجود سياسة لغوية واضحة في الدول العربية. ويمكن الاطلاع على هذه المحاضرة من الدكتور عبدالرحمن السليمان عن "التخطيط اللغوي والتعريب"[٠].
٨) أننا -نحن العرب- أو لنقل كثير منا، نعيش أوضاعا اقتصادية وعلمية وحضارية وسياسية متردية وهذا سينعكس على الاهتمام بلغتنا وتعريب المصطلحات ويؤدي إلى الاحتفاء الأجوف بكل ما هو أجنبي.
بعض النقاط المتفرقة:
هناك حاجة لضبط تسمية المخترعات والمنتجات الحديثة في شتى اللغات، والعجيب وجود ذلك في اللغة الإنجليزية نفسها صاحبة التسمية الأولى، ولذلك تضاف هذه الكلمات الجديدة كل سنة في معجم أوكسفورد [١]، وأظن ذلك في الفرنسية وغيرها.
هذا الضبط الدقيق للتسميات مفيد جدًا في الكتابة العلمية التي يجب أن تكون غاية في الدقة وتجنب مزالق المشتركات اللفظية.
لقد ترجم المسلمون والعرب الأوائل غاية النتاج العلمي اليوناني والهندي والفارسي في كل العلوم وفي الفلسفة (والجميع يعلم مدى صعوبة ترجمة الكتابات الفلسفية ووعورة ألفاظها) حتى أن كثيرا من المترجمات العربية فقدت أصولها الفارسية واليونانية ولم يترجم إلى اللاتينية في أوروبا إلى عن الكتابات العربية.
يقال أنه من مسلمات الأنثربولوجيا (أنه لا يوجد لغة لم تأخذ من اللغات الأخرى) والعربية ليست بدعا من اللغات ولهذا استعارات من الفارسية وغيرها منذ قديم الزمن ولكن كان هناك شروط في التعريب أن تكون على هيئة الكلمات العربية أو كما قال الجاحظ وغيره (ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب ) [٢] يعني أن تحوّل الكلمة الأجنبية إلى هيئة كلام العرب فيمكن بعدها الاشتقاق والتعامل معها كالكلام العربي، والمثال الذي وضعته (حاسوب) من أفضل الأمثلة على هذا فيمكن قول (حوسبة) و(محوسب) و(حواسيب) بينما لو ظلت (كومبيوتر) فمن الصعب جمعها (بطريقة عربية) أو عمل اشتقاقات يحتاجها سياق الكلام، وبالمناسبة فهي تكافئ (compute) التي تعني (يحسب أو يحصي).
[٠]
[١]
[٢]
وفي هذا الفصل من كتاب الخصائص لابن جني أمور مفيدة في هذا الموضوع
أنَّ الأُولىٰ (بالنسبة لـ) خطأ، والآخِرة (بالنسبة إلىٰ) صواب؛ فإنَّ أصلَهما الفعلُ «نَسَبَ»، وهو يتعدَّىٰ بـ «إلىٰ»، فيُقال: «نَسَبْتُ هذا القَوْلَ إلىٰ صاحبِهِ، أنسُبُهُ (بالضم؛ فلا تقُلْ: أَنسِبُهُ)، نَسَبًا (بالفتح، لا: نَسْبًا)، ونِسبةً».
وشاعَ على ألسنتنا -نحنُ عامَّةَ الناس- الخطأ والغلطُ حتىٰ حسِبناهما فروقًا!
فتراهم يقولون: ما الفرق بين: شَكَوْتُ (وهي الصواب)، وشَكَيْتُ؟ وما الفرق بين: سِيَّما، ولا سِيَّما (وهي الصواب)، وهكذا دَوَالَيْك.
ثُمَّ يقولُ قائل: «ما لكم تتشددون في العربية؟ ما الفرق إنْ فتحتُ المكسور، وكسرتُ المفتوح، أو استبدلتُ بالواو ألفًا، وبالألف واوًا، أو قُلتُ: استبدلَ بيته القديم بالجديد، موضعَ: استبدلَ بيته الجديد بالقديم»؟ حتى بَلَغوا بالعربية عند العامةِ والخاصة غايةَ الركاكةِ والضَّعف، وعُدَّ الخطأُ فرقًا، فجعلُوا يقولون: «ما الفرق بين: هناك أشياء غريبة، وهنالك أشياء غريبة؟»، فيَقول قائلُ: «الفرق أن: هناك: اسم إشارة، وهنالك: معناها: يوجد، ولا تقل: هناك، بمعنى: يوجد!»، فلا صحَّ كلامُهُ أصلًا ولا تفريقًا! فليس عند العرب: هناك، وهنالك، بمعنى: يوجد، وإنما يُقدمون حروف المعاني (في، واللام، وغيرها)، أو يستعملون الأفعال، فيقول أهل الركاكة: «هنالك أشياء في المدرسة لا أستطيع تحملها!»، فتقول العرب: «إنَّ في المدرسةِ ما لا أُطيق!»، ويقولون: «أحمد موجود في البيت، ويوجد خمسون كتابًا في المكتبة»، فتقول (العرب): «أحمدُ في البيت، وفي المكتبة خمسون كتابًا»...، فترىٰ بينهما بُعد المشرقين والمغربين.
والله تعالىٰ المستعان.