صنعة اليابان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكيانات الثلاث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التصنيف هو عملية عقلية تعتمد على عنصري الشبه والإختلاف. وبالإعتماد على أوجه التشابة والإختلاف يقوم العقل البشري بتصنيف جميع الموضوعات في مجموعات تميزها عن مجموعات أخرى. وإستنادا إلى هذا يمكن تقسيم جميع الثقافات البشرية في العالم وفي التاريخ إلى ثلاث كيانات كبرى. هي

1-الثقافة الشرقية

2-الثقافة الغربية

3-الثقافة الوسيطة

الثقافة الشرقية هي التي تضم شرق آسيا وأغلب بلاد القارة ربما عدا الروسية فقط,وقد نجحت الثقافة اليابانية أن تبرز ضمن أهم الثقافات الشرقية في العالم وأكثرها نفوذا وتأثيرا. وأحد أهم الأدوات التي ساعدتها في تحقيق ذلك هو التفوق التقني وإبداع الأنمي.

[2] في أكثر من قالب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أي أن اليابان تقوم بتصدير الثقافة اليابانية في أكثر من قالب لدول العالم شرقا وغربا,مع توظيف لمختلف الأدوات الثقافية مثل الإعلام واللغة والأدب.

من أبرز الأمور التي تميزت بها اليابان هي

1-صناعة التقنية

2-إنتاج الأنمي

3-السينما اليابانية

4-الكوميكس الياباني (المانجا)

وعن تلك الأخيرة نتحدث ومعها الإقتباس السينمائي / التلفزيوني منها في صورته الرسومية,أي الأنمي.

[3] صنعة اليابان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تكمن عبقرية الإعلام في المقدرة على إستخدام جميع المؤثرات من كل المجالات؛الفلسفية والعلمية والفنية. ومن تلك الأخيرة يبرز موضوعان,هما الأدب والسينما. وقد وضعت اليابان بصمتها فيهما متمثلة في ثنائية (المانجا / الأنمي). مصطلح السينما مذكور هنا بمعناه العام الذي يشمل الـ (السينما / التلفزيون). وقد عرضت اليابان إبداعات خالدة على الشاشة الكبيرة والصغيرة,من أفلام ومسلسلات الأنمي. وحفظت لنفسها المرتبة الثانية من بين الدول الأكثر تصديرا للرسوم المتحركة في العالم. متنافسة في ذلك مع دولة أمريكا صاحبة المرتبة الأولى. وصنعت إسما يعبر عن هوية تلك الأعمال ويوضح إنتماءها إلى اليابان بصورة خاصة والشرق بصورة عامة. وهو مصطلح الأنمي Anime الذي يتنافس بقوة مع مصطلح الأنيميشن Animation. في المقابل الأنميشن هو المصطلح الذي يدل على الرسوم المتحركة الأمريكية بصورة خاصة,ويدل على الرسوم المتحركة الغربية بصورة عامة. وبصورة أكثر تعميما يدل على الرسوم المتحركة كلها.

كل هذا من الناحية السينمائية,أما من الناحية الأدبية فقد تفوقت اليابان في مجال القصة المصورة التي تعد جنسا أدبيا أثبت أهميته في العصر الحديث. وأخرجت منه نمطا خاصا بالقصة المصورة اليابانية شكلت مدرسة في الكوميكس إسمها المانجا أو الكوميكس الياباني,والتي أمتدت بحبالها لتشمل جميع صور القصص المصورة في الشرق الأقصى تحت تسميات أخرى وفروق طفيفة,مثل المانهوا الكورية والمانها الصينية.

وتعد المانجا مصدرا خصبا لأعمال الأنمي,بل والمصدر الأول الذي يقتبس منه. كما أنها أبدعت جنس أدبي قريب من الرواية إلا أن مادته شبيهة بموضوعات المانجا وهي الرواية الخفيفة التي مثلت هي الأخرى مصدرا لأعمال الأنمي.

وقد جعلت اليابان لها جمهورا من المتابعين أصحاب المرتبة الأولى من الإخلاص لما يتابعوه,أي أنهم مهاويس. وتم تمييز هذا النمط من الجماهير بإسم (الأوتاكو).

الأوتاكو Otaku أيضا هو مصطلح صنعته اليابان وصار له ثقله أمام مصطلحات إنجليزية مثل جيك Geek,نيرد Nerd. خاصة وأن كل تلك المصطلحات كانت تستخدم لإهانة البشر الملقبين بها بصفتهم معاتيه غير إجتماعيين,قبل أن يتحول الأمر وتصبح مدعاة للتفاخر بين مجتمعات كبيرة من المتابعين الذين يطلقون على أنفسهم جيكس أو أوتاكو.

[4] استقبال الأنمي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكن حصر إستقبال الأنمي في ثلاثة من أهم المشاهد التي مرت بهذه العملية,وهما

المشهد الأول هو نشأة الأنمي عام 1917 ثم تطوره في الأربعينات على يد أبو الأنمي أوسامو تيزوكا Osamu Tezuka,ثم إنتشاره عالميا في السبعينات والثمانينات بأعمال هاياو ميزاكي,وظهور أعمال مثل مسلسل دراغون بول Dragon Ball 1986 وفيلم أكيرا Akira 1988.

المشهد الثاني هو إطلاق قناة سبيستون Spacetoon العربية عام 2000 والمتخصصة في نقل أفلام ومسلسلات الأنمي إلى العربية.

المشهد الثالث هو دخول نتفليكس Netflix في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرون إلى عالم صناعة الأنمي ورعايتها له وإنتاجها بعض الأعمال الأصلية لها. وهو ما سنتناوله بالتفصل في مقال آخر لاحقا.

[5] الإحتفالية العالمية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تكاد التجربة البصرية للمشاهدة تتفوق على التجربة الذهنية للقراءة,وحتى أن مصطلح مثقف الذي يدل على الشخص محب القراءة واسع الإطلاع يوشك أن ينطمس وسط مصطلحات مثل جيك Geek ونيرد Nerd وأوتاكو Otaku وفيلمر Filmar وكومكساوي Comixawy. جيك هو أكثر مصطلح يدل على عشاق ومهووسي التجربة البصرية على الصعيد الفني والتقني,وله إنتشار واسع وتأثير عظيم في العالم شرقه وغربه حتى صارت تقام له فعاليات عملاقة في مهرجانات كبرى حول العالم.

كوميك كون هو علامة تجارية ومصطلح ترفيهي يطلق على شبكة من المؤتمرات العالمية التي تعني بالقصص المصورة بشكل أساسي وتعني بالشرائط المصورة بصورة عامة. يقصد بالشرائط المصورة هنا كل ما يعرض كادر: لوحة / صورة أو أكثر:-

الكوميكس-المانجا-السينما-التلفزيون-الأنمي-الأنيميشن.

تقام شبكة المؤتمرات سنويا في أماكن عديدة حول العالم:-

بوخارست-موسكو-لندن-ويلز-إدنبرة-بيرنامبوكو-مونتريال-تورونتو-أوتاوا-سان دييغو-سان أنطونيو-نيويورك-كولورادو-نيوجيرسي-واشنطن-لوس أنجلوس-أوهايو-بنسيلفانيا-رود آيلاند-أوريغون-سان خوسيه-سيدني-نيودلهي-كراتشي,مانيلا.

يُلاحظ أن للولايات المتحدة نصيب الأسد من القائمة السابقة هذا وقد تغالفنا عن ذكر العديد من المؤتمرات العالمية العملاقة للجيكس Geeks (المتابعين,المعجبين) الغير المعنونة بـ"كوميك-كون" مثل جابان إكسبو Japan Expo وأوتاكون Otakon و جيمز كوم Gamescom و كوميكت Comiket.

ولا ننسى إثنان من أكبر المؤتمرات الترفيهية والثقافية في العالم وأكثرها شهرة,هما نيويورك كوميك كون الذي يقام سنويا في مدينة نيويورك بولاية نيويورك الأمريكية,وكوميك كون إنترناشونال الذي يقام سنويا في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية. الأخير هو المؤتمر الأكبر في العالم. وحدث الـ كوميك كون هو واحد من أكبر الفعاليات في الفضاء الإعلامي والثقافي,وكوميك كون الدولي الخاص بـ سان دييغو هو أهم وأشهر سلسلة مؤتمرات سنوية ضمن هذه الشبكة الكبيرة حتى ألتصقت به كلمة كوميك كون وهو يوازي في أهميته حفل توزيع جوائز الأوسكار والمونديال في صورة أخرى.

مهرجان كوميك كون هو حدث عالمي يعد كيان مؤسسي غير هادف للربح –ولكن ترعاه مؤسسات بهدف تجاري- إنتشر في عدد كبير من البلاد حول العالم إلى أن وصل أخيرا إلى العرب متمثلا في عدة مناسبات كبرى مثل كايرو كوميكس ومهرجان تازركة للشرائط المصورة وإيجيكون وليبيا كوميك كون وسعودي كوميك كون وسعودي أنمي إكسبو ومعرض الشرق الأوسط للأفلام والقصص المصورة.

كل هذه المؤتمرات تملك موقع هام جدا على الخريطة الثقافية والإعلامية. من ذلك فائدتين لهما أثر عظيم,أولا في الحاضر إحياء إحتفالات ثقافية وفنية لتناول مختلف الأشكال الترفيهية الراقية (سينما-تلفزيون-كوميكس-مانجا-ألعاب-روايات) التي صارت أداة مهمة في الثقافة والإعلام. ثانيا ربما في المستقبل تنجح تلك الفعاليات في سد الهوة التي إتسعت بين المشاهد والقاريء,الورقي والرقمي,النقدي والجمهوري. ناهيك عن مسألة من الذي سيغلب في النهاية وتأثير ذلك على واقعنا.

[6] المشهد العربي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحظى الثقافة اليابانية بحضور قوي على الساحة العالمية منذ بدايات القرن الحادي والعشرين حتى صارت تحمل إسم كوكب اليابان للإشارة إلى هيمنتها وتفردها.

بدأ الغزو الثقافي لليابان إلى الوطن العربي بإنتشار مسلسلات الرسوم المتحركة اليابانية على التلفزيون العربي في فترة السبيعنات والثمانينات بواسطة القنوات الوطنية الرسمية للدول العربية مثل التلفزيون الأردني والأولى المصرية ثم انتقلت في التسعينات إلى أول قنوات متخصصة في الرسوم المتحركة وبرامج الأطفال مثل قناة art الأطفال وقناة سبيس تون بالتعاون مع مركز الزهرة. ومن أبرز مسلسلات الأنمي التي تم عرضها مغامرات سندباد وغراندايزر والكابتن ماجد.

ومن الشاشة إلى الورق أنتشرت أعمال المانجا اليابانية المترجمة إلى العربية أو الأعمال العربية المقتبسة من الأعمال اليابانية. ومن أبرز الدوريات مجلة سبيستون (2002) من سوريا المعتمدة على المترجمات العربية للإصدارات اليابانية والتي تصدر عن مؤسسة يونج فيوتشر التي أخرجت لنا مجلة كابتن ماجد -ليست مجلة ماجد- والعديد من الإصدارات المختلفة المترجمة عن الأعمال اليابانية والأمريكية. وقد سبقتها بكثير السلسلة الرائعة المعنونة بإسم ما وراء الكون (1979) صاحبة إصدارات مغامرات دايسكي وغراندايزر.

ومع دخول الإنترنت في مطلع القرن الحادي والعشرين تزايد وتنوع المحتوى البصري الكارتوني الياباني الثابت (المانجا) والمتحرك (الأنمي). وبلغ ذروته بعد الربيع العربي في بدايات العقد الثاني وصولا إلى العصر الذهبي الثاني لهذه الوسائط ونحن على أبواب العقد الثالث. ويمكن للناظر -حتى وإن لم يكن مهتما بالأنمي أو المانجا- أن يحصي نحو 50 موقع بارز أو يزيد تعمل على توفير فصول المانجا وحلقات الأنمي المترجمة من خلال القرصنة الرقمية صاحبة الفضل الأول في إيصال كم هائل من المحتوى البصري إلى القارئ أو المشاهد العربي.

ومن كل هذا تبرز ثلاثة ظواهر مهمة,الأولى هي القرصنة الرقمية وقد تحدثنا عن تأثيرها. والثانية هي مجتمع الأوتاكو Otaku,والأوتاكو مصطلح مقتطع عن دلالة مصطلح الجيكس Geeks وليس مقتبسا عنه. يدل مصطلح الجيكس على المجتمع المهووس بالمحتوى البصري,أما الأوتاكو فيدل على المجتمع المهووس بالمحتوى البصري الياباني المتمثل في الأنمي والمانجا. والظاهرة الثالثة هي المتمثلة في تحول العربي من متلقي إلى مبدع بادئا فصل جديد في مسيرة المانجا بالعالم العربي. وهي نقطة سنتناولها في مقال آخر خاص بـ الأعمال الأصلية العربية في الأدب المصور.

[7] نهاية عقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نحن أوشكنا على نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرون,وفي الختام نعدكم في مقال آخر بقائمة لمسلسلات من أبرز أعمال الأنمي في هذا العقد.