10

إلغاء 12 ألف تخصص جامعي يدل على تغير سوق العمل بالكامل

قرأت مؤخرا خبر عن سعي الجامعات الصينية لإعادة هيكلة واسعة لبرامجها الدراسية حيث يجري إلغاء أو تقليص أكثر من 12 ألف تخصص وبرنامج تقليدي لصالح تخصصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات. والأمر لا يقتصر على الصين فقط، فهناك جامعات كثيرة حول العالم بدأت تتحرك في الاتجاه نفسه بدرجات متفاوتة.

أعتقد أن ما يحدث إشارة واضحة إلى أن سوق العمل نفسه يتغير بسرعة كبيرة. فالجامعات بطبيعتها مؤسسات بطيئة في اتخاذ القرارات، وعندما تبدأ بإلغاء هذا العدد من البرامج وإعادة توجيه مواردها نحو مجالات محددة، فهذا يعني أنها تتوقع تغيرات عميقة في الوظائف المطلوبة خلال السنوات القادمة.

ما يثير الاهتمام أن كثير من التخصصات التي كانت تعتبر آمنة ومستقرة لعقود أصبحت تواجه ضغوط حقيقية بسبب الذكاء الاصطناعي. ولكن مع ذلك، لا أعتقد أن المسألة تعني اختفاء التخصصات التقليدية بالكامل، بل تغير قيمتها في سوق العمل. فالمعرفة وحدها أصبحت أقل أهمية من القدرة على استخدامها مع الأدوات الجديدة والتكيف مع بيئة عمل تتغير باستمرار. لهذا بدأت الجامعات تركز على المهارات التي تعتقد أنها ستكون أكثر طلبا في المستقبل.

ما أراه أن الرسالة الأهم هنا بالسرعة التي يتحرك بها العالم. فهناك أجيال كاملة ما زالت تدرس وفق تصورات قديمة عن الوظائف والمهن بينما المؤسسات التعليمية بدأت بالفعل تعيد رسم خريطة مختلفة تماما للمستقبل. وربما لهذا أصبح اختيار التخصص اليوم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى لأن السؤال لم يعد ما هو المطلوب الآن بل ما الذي سيبقى مطلوبا بعد عشر سنوات.


ليس إلغاء لكن أري أنه تضخيم لمجالات معينة مثل الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات على حساب باقي المجالات يعنى السوق يوجه الاستثمار والاهتمام بشكل أكبر لقطاعات معينة لأنها أصبحت مربحة أكثر وبالتالي يحتاج لتوجيه الطلاب لزيادة الإستثمار

لكن الى أي مدى يمكن أن يتوسع سوق الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات؟ فما يحصل في سوق العمل ليس استبدال وظائف بوظائف أخرى بل استبدال الموظفين البشر أنفسهم، فماذا سنستفيد عندما يتجه الكل لتعلم مجالات متعلقة بالذكاء الاصطناعي لكن بمجرد التخرج نجد أن سوق العمل أصبح الذكاء الاصطناعي يشارك البشر فيه بشكل كبير وأن فرص العمل أصبحت قليلة جدا ولا تكفي الكل

التاريخ التقني لا يدعم فكرة أن التقنيات الجديدة تقضي على فرص العمل. ففي كل ثورة تقنية كبرى ظهرت مخاوف مشابهة: من الآلات الصناعية إلى الحاسوب والإنترنت. صحيح أن بعض الوظائف تقلصت أو اختفت، لكن في المقابل ظهرت وظائف وتخصصات جديدة لم تكن موجودة أصلًا. فالسوق لا يحتاج فقط إلى مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي، بل إلى متخصصين يفهمون الأعمال والصحة والتعليم والتسويق والقانون ويستطيعون توظيف هذه الأدوات فيها.

إضافة إلى ذلك، إذا افترضنا أن الذكاء الاصطناعي سيقلل الحاجة إلى عدد كبير من الموظفين في المستقبل، فهذه ليست مشكلة تخص مجال الذكاء الاصطناعي وحده، بل مشكلة ستواجه معظم التخصصات. وبالتالي قد لا يكون الحل في تجنب تعلم هذه المجالات، وإنما في اكتساب مهارات يصعب أتمتتها بالكامل مثل اتخاذ القرار، وفهم السياق البشري، والتواصل، والإبداع، والعمل متعدد التخصصات.