ننتقل بين التطبيقات المختلفة 1200 مرة في اليوم

قرأت إحصائية من جامعة هارفارد تشير أن الموظف العادي يتنقل بين التطبيقات والمنصات المختلفة أكثر من 1200 مرة يوميا، هذا الرقم صدمني جدا كنت أراه رقم ضخم لكن عندما نظرت في يوم العمل المعتاد وجدته منطقيًا إلى حد كبير.

فعادة نبدأ بالبريد الإلكتروني، ثم ننتقل إلى تطبيقات المحادثة، ثم أداة إدارة المشاريع، ثم اجتماع افتراضي، ثم نعود لمراجعة رسالة أو إشعار جديد. وبين كل ذلك عشرات التنبيهات التي تقاطع ما نعمل عليه.

المفارقة أن هذا يحدث في وقت نمتلك فيه أدوات إنتاجية أكثر من أي وقت مضى. فمن المفترض أن تجعلنا التكنولوجيا أسرع وأكثر كفاءة، لكن جزء كبير من وقت العمل لم يعد نستهلكه في إنجاز المهام نفسها بل في التنقل بينها ومتابعة ما يحدث داخل عشرات المنصات المختلفة مما يؤثر سلبُا على تركيزنا.

في رأيي المشكلة لم تعد نقص في الأدوات بل وفرتها الزائدة. كل شركة تقدم منصة جديدة تعد بتحسين الإنتاجية لكن النتيجة النهائية قد تكون إضافة شاشة أخرى وإشعارات جديدة ومصدر إضافي للتشتت.


هذه الإحصائية تعكس بوضوح أزمة "التشتت البنيوي" في بيئات العمل المعاصرة؛ حيث تحولت وفرة الأدوات من حل إنتاجي إلى عبء تشغيلي يستنزف التركيز.

هذه الحالة تشبه تماماً آلية "تعفن الدم" (Sepsis) في الجسد؛ ففي تعفن الدم، يفرز الجهاز المناعي مواد كيميائية بكثافة فائقة لمحاربة العدوى، لكن النتيجة العكسية هي أن هذه المواد نفسها تسبب التهاباً عاماً يدمر الأعضاء الحيوية بدلاً من حمايتها.

وبالمثل، تفرز المنظمات اليوم منصات وتطبيقات لا حصر لها بهدف "تحسين الكفاءة"، لكن هذا التدفق الزائد للإشعارات والتنقل المستمر يُحدث التهاباً تكنولوجياً حاداً ينهك الخلايا الذهنية للموظف، ويصيب الإنتاجية بالشلل التام نتيجة التشتت، بدلاً من تحقيق القيمة المستدامة.

هذا تشبيه جيد جدا لأنه يشير الى شيء مهم وهو أن كون كثرة هذه الأدوات يؤدي للتشتت في العمل وفقدان التركيز لا يعني أن الادوات نفسها سيئة أو أن الشركات المزودة بهذه الخدمات تحتال على عملاءها، لكن الفكرة كلها في التوازن وفي فهم احتياجات مكان العمل وليس فقط زيادة ادوات وأنظمة بدافع التباهي