منصات المشاهدة الرقمية تقتل صالات السينما ببطء

Kareem_Magdy

مع كل فيلم جديد يصدر، يواجه عشاق السينما هذا السؤال المزعج "لماذا أذهب إلى السينما بينما يمكنني مشاهدته في المنزل؟". منصات المشاهدة الرقمية غيرت قواعد اللعبة، وأصبحت توفر تجربة مشاهدة بجودة عالية دون الحاجة لمغادرة المنزل أو تحمل تكلفة التذاكر والوجبات باهظة الثمن. ومع التحسن المستمر في شاشات التلفاز وأنظمة الصوت، باتت تجربة السينما المنزلية أقرب من أي وقت مضى إلى الواقع.

والنتيجة هي تراجع ملحوظ في إيرادات صالات السينما حول العالم، حتى بعد التعافي من آثار الجائحة. بعض الأفلام لم تعد تجد جمهورًا كافيًا لجعل عرضها على الشاشات الكبيرة قرارًا منطقيًا، بينما لجأت الاستوديوهات إلى إطلاق الأفلام مباشرة على المنصات، في اعتراف غير مباشر بأن زمن الذهاب إلى السينما قد لا يكون كما كان من قبل.

لكن رغم ذلك، لا يزال هناك شيء سحري في تجربة السينما الحقيقية، ذلك الشعور بكوننا جزء من حدث جماعي، وأن الشاشة العملاقة والصوت المحيطي يصنعان فارقًا لا يمكن نسخه بالكامل في المنزل، وهذا هو ما زال يبقي صناعة السينما قادرة على البقاء حتى الآن.

هل سيتمكن صناع السينما من إعادة إحياء التجربة وإقناع الجمهور بالعودة، أم أننا نشهد بالفعل نهاية السينما كما نعرفها؟


السينما ليست مجرد شاشة كبيرة وصوت محيطي، بل هي تجربة متكاملة لا يمكن استبدالها بالكامل بالمشاهدة المنزلية. منذ ظهور التلفاز ثم أشرطة الفيديو وأخيرًا منصات البث، قيل إن السينما ستنتهي، لكنها لم تفعل. لماذا؟ لأن التطور التكنولوجي لم يكن يومًا عدوًا للسينما، بل حليفًا لها.

التقنيات الحديثة لم تسحب البساط من تحت السينما، بل دفعتها إلى التطور. اليوم نرى قاعات بتجارب IMAX و4DX وتقنيات الصوت المتطورة التي لا يمكن محاكاتها في المنزل، مما يجعل حضور الأفلام في السينما أكثر إبهارًا من أي وقت مضى. كما أن هناك عنصرًا اجتماعيًا لا يمكن نسخه في المنزل: التفاعل الجماعي، الضحك المشترك، الصمت المشدود أثناء مشهد مؤثر، كلها أمور تجعل تجربة السينما فريدة.

صحيح أن منصات البث غيّرت عادات المشاهدة، لكن السينما تكيفت مع ذلك وستستمر في التكيف. الأفلام التي تُصنع للسينما تقدم تجربة لا يمكن اختزالها على شاشة صغيرة، ومع تطور التقنيات، ستصبح العروض أكثر غنىً وإبهارًا. السينما لم تمت ولن تموت، بل ستتطور كما فعلت دائمًا، وستبقى وجهة لا يمكن الاستغناء عنها لعشاق الأفلام الحقيقية.

أعجبني توصيفك للتكنولوجيا كحليف، لكن أظن أن السينما اليوم يجب أن تراجع ليس فقط أدواتها، بل دورها. فربما لم تعد السينما فقط مكانًا لمشاهدة الأفلام، بل لتجربة الحدث السينمائي نفسه، مثل فيلم جماهيري أو عرض خاص أو ليلة افتتاح. أما الأفلام الهادئة أو العميقة أو الوثائقية، فمصيرها ربما يكون على المنصات، حيث تجد جمهورها الحقيقي. فهل يمكن أن نفكر بالسينما مستقبلًا كمساحة احتفالية أكثر منها وسيلة مشاهدة يومية؟

فكرة أن السينما تتحول إلى مساحة احتفالية أكثر من كونها وسيلة مشاهدة يومية تواكب تمامًا ما نراه اليوم من تغير في عادات المتلقّي. لم يعد الذهاب إلى السينما مرتبطًا برغبة في مشاهدة فيلم فقط، بل بتجربة اجتماعية كاملة: الحضور الجماعي، الصوت والصورة على الشاشة الكبيرة، النقاش بعد الفيلم، وحتى الشعور بأنك جزء من حدث ثقافي أو فني خاص.

وفي المقابل، الأفلام الهادئة والعميقة التي تتطلب تركيزًا وتأملًا غالبًا ما تجد بيئتها المناسبة في المنصات، حيث يمكن مشاهدتها على وتيرة شخصية، وربما العودة إليها أكثر من مرة، وهذا لا ينتقص من قيمتها، بل يمنحها فرصة لأن تُستهلك بطريقة أكثر عمقًا وتقديرًا.

لذلك، أعتقد أن السينما والمنصات لن تتنافرا بقدر ما سيتكاملان. السينما تُعيد تعريف نفسها كمكان للحدث، وللجمع، وللصورة التي تُحتفل بها، في حين أن المنصات تفتح المجال أمام تجربة أكثر خصوصية وتنوعًا. هذه الثنائية قد تكون مستقبل المشاهدة فعلًا.

هل سمعت عن الواقع الافتراضي VR وتقنيات محاكاة بيئة ثلاثية الأبعاد في المنزل؟ أظن أن السينما أمامها منافسة شديدة مع التقنيات القادمة.

نعم، الواقع الافتراضي وتقنيات المحاكاة ثلاثية الأبعاد موجودة منذ سنوات، ويمكن القول إنها تطورت كثيرًا، لكن رغم ذلك لا أظن أنها ستحل محل السينما التقليدية أو تهدد وجودها بشكل جذري.

السبب بسيط: السينما ليست فقط عن الصورة أو الانغماس البصري، بل هي تجربة جماعية، ثقافية، ومشتركة. فكرة الجلوس في قاعة مظلمة مع جمهور يتفاعل في نفس اللحظة مع مشهد مضحك أو مؤثر تخلق حالة لا يمكن للتقنيات الفردية أن تعوضها.

ثم إن الواقع الافتراضي يتطلب معدات خاصة، ومساحة، وحتى تحمل جسدي للبقاء لفترة داخل بيئة محاكاة، بينما السينما تظل أسهل وأقل تطلبًا من حيث الجهد والتكلفة.

في النهاية، أعتقد أن كل تقنية لها مكانها، وقد تتكامل لا تتعارض. الواقع الافتراضي قد يفتح أبوابًا جديدة لسرد القصص، لكنه لن يُنهي السينما، بل يعيد تعريف بعض حدودها.