أطلِق العنان وأخبرني!

لقد مَنَّ الله علينا بنعمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى البتة، مهما حاول المرء عدَّها وإحصاءها فلن يستطيع، وقد قطع الله ذلك الأمر بقوله:

> ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34، النحل: 18].

ولكن يمكن أن نفعل شيئًا ممكنًا، وهو المفاضلة بين كل تلك النعم. ولا شك أن هناك نعمة لا تعلو عليها نعمة البتة. فيمكننا أن نجعل النعمة رقم واحد مثلًا كذا، كونها أفضل نعمة على الإطلاق.

وذلك الأمر، أحبتي، لا يكون عبثًا دون تفنيدٍ لأدلّة الشرع، وبحثٍ متقصٍّ خلف الأدلّة، والنظر بعمقٍ لما يحتاج إلى ذلك. فبعض الأمور في باب المفاضلة تأتي صراحة دون محاولةٍ لتدبّرٍ أو نظرٍ لمعرفة ذلك الأمر.

ومثال ذلك مثلًا الصدقات، فقد صرّح النبي ﷺ بذلك الأمر عندما قال:

> «أفضل الصدقة سقي الماء» (رواه أحمد 3/441، والنسائي في "الكبرى" 3348، وصحّحه الألباني في "صحيح الجامع" رقم 1113).

فعرفنا من ذلك أن أفضل الصدقات على الإطلاق هي سقي الماء، وبهذا نضعها رقم واحد، ثم يليها ما يليها من باقي الصدقات.

أما عن النِّعم، فالأمر يحتاج نظرة عميقة في أدلّة الشرع، واستنباطًا دقيقًا، وربطًا بين الأدلّة.

فأخبروني الآن: ما هي أفضل نعمة على الإطلاق، والتي سنضعها على قمة الهرم لتكون الأولى؟


حديثك أستاذ عمر فتح بابًا للتأمل في جواهر النعم لا قشورها وفي ترتيبها بما يليق بقدرها في ميزان الشرع والعقل

ولعل أعظمها كما أرى نعمة الهداية إلى التوحيد ومعرفة الله فهي أصل النعم ومفتاحها

وبها تثمر القلوب طاعة وشكرًا وبدونها تفقد النعمة معناها ولو كثرت

فالهداية ليست مجرد نعمة تضاف بل هي الإطار الذي تنتظم فيه كل النعم لتصبح نورًا لا يطف

ولعل أعظمها كما أرى نعمة الهداية إلى التوحيد ومعرفة الله فهي أصل النعم ومفتاحها

هي أقرب لكونها اصطفاء من الله سبحانه وتعالي، مثلها مثل الإسلام ومعرفة الله عز وجل، وعليه نريد الغوص أعمق في النعم الدنيوية.

أحسنت التعبير فبعض النعم ليست مجرد مكتسبات مادية أو إنجازات بشرية بل هي اصطفاء إلهي ورحمة من الله سبحانه وتعالى كالهداية لمعرفة الحق ونعمة الإسلام وطمأنينة القلب وإذا تأملنا في النعم الدنيوية نجدها مظاهر من فيض رحمته واختبارا لنا في شكرها أو جحودها فالعاقل من يغوص في معاني هذه النعم فيراها جسورا توصله إلى القرب من الله لا مجرد زينة تزول بزوال الدنيا