لا تلمزوا أنفسكم... أدب اللسان ونقاء القلب في ميزان القرآن
مقدمة:
القرآن ليس مجرد كتاب أحكام، بل هو كتاب تهذيب. تهذيب للنفس، ولللسان، وللخاطر الخفيّ. ومن أبلغ مظاهر هذا التهذيب، ما ورد في قوله تعالى:
{وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ}
وفي قوله:
{وَلَا تَلۡمِزُوا أَنفُسَكُم}
فلم يربِّنا الله فقط على ترك الأذى باليد، بل علَّمنا أن كلمةً جارحة قد تهدم قلبًا، ولمزةً عابرة قد تفسد علاقة، وهمسةَ سخريةٍ قد تحفر في الروح أثرًا لا يُمحى. قال تعالى: { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِیثَةࣲ كَشَجَرَةٍ خَبِیثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارࣲ } لكن اطمئن، فقد قال تعالى: { یُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِۖ} وخف أيضا، فقد قال تعالى بعدها {وَیُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِینَۚ وَیَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا یَشَاۤءُ } [سُورَةُ إِبۡرَاهِيمَ: ٢٦-٢٧ ]
أولًا: من هو الهُمَزَة اللُّمَزَة؟
الهمزة هو من يطعن في الناس في غيبتهم، واللمزة هو من يعيبهم في حضورهم.
وللمفسرين ألفاظاً أحدها: قال ابن عباس: الهمزة المغتاب، واللمزة العياب. وثانيها: قال أبو زيد: الهمزة باليد واللمزة باللسان. وثالثها: قال أبو العالية: الهمزة بالمواجهة واللمزة بظهر الغيب. ورابعها: الهمزة جهراً واللمزة سراً بالحاجب والعين. وخامسها: الهمزة واللمزة الذي يلقب الناس بما يكرهون.
وقد توعدهم الله بـ"ويل"… وهي كلمةٌ تحمل تهديدًا بالعذاب العظيم، والندم الشديد، والخسارة المريعة. لماذا؟ لأنهم ينشرون سمًّا معنويًا، يغتال القلوب، ويفسد الصفوف، ويشيع البغضاء.
الويل لفظة الذم والسخط، وهي كلمة كل مكروب يتولون فيدعو بالويل وأصله وي لفلان ثم كثرت في كلامهم فوصلت باللام، وروي أنه جبل في جهنم إن قيل: لم قال: ههنا: {وَيْلٌ } وفي موضع آخر: {أية : وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ }تفسير : [الأنبياء:18]؟ قلنان: لأن ثمة قالوا: {أية : يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء:14] فقال: {وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ } وههنا نكر لأنه لا يعلم كنهه إلا الله، وقيل: في ويل إنها كلمة تقبيح، وويس استصغار وويح ترحم، فنبه بهذا على قبح هذا الفعل، واختلفوا في الوعيد الذي في هذه السورة هل يتناول كل من يتمسك بهذه الطريقة في الأفعال الرديئة أو هو مخصوص بأقوام معينين، أما المحققون فقالوا: إنه عام لكل من يفعل هذا الفعل كائناً من كان وذلك لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وقال آخرون: إنه مختص بأناس معينين، ثم قال عطاء والكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق كان يلمز الناس ويغتابهم وخاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه، وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن هذه السورة نزلت في أمية بن خلف، قال الفراء: وكون اللفظ عاماً لا ينافي أن يكون المراد منه شخصاً معيناً، كما أن إنساناً لو قال لك لا أزورك أبداً فتقول: أنت كل من لم يزرني لا أزوره وأنت إنما تريده بهذه الجملة العامة وهذا هو المسمى في أصول الفقه بتخصيص العام بقرينة العرف.
ثانيًا: لماذا قال {وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُم} ولم يقل "بعضكم بعضًا"؟
يا لها من دقة قرآنية!
أنت حين تلمز أخاك، إنما تلمز نفسك.
لأن المؤمنين جسد واحد، وروح واحدة، وشرفك من شرف أخيك، ومكانتك لا تُبنى على أنقاض الآخرين.
كأن الله يقول: "لا تهينوا أنفسكم بعيب إخوانكم، فإنهم أنتم."
ثم إنك حين تلمز الناس تُجرّئهم على أنْ يلمزوك، على حَدِّ قول الشاعر: لسَانُكَ لاَ تَذْكُر بِهِ عَوْرَةَ امْرِيء ** فكُلُّكَ عَوْراتٌ وللنَّاسِ ألْسُنُ وَعَيْنكَ إنْ أبدَتْ إليْكَ مَسَاوِئاً ** فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أعيُنُ.
ثالثًا: لماذا هذا الأدب مهم؟
لأن السخرية واللمز والطعن بالألقاب تُنبت في القلب كِبرًا خفيًّا، وسُوء ظن، وغلًّا لا يُرى.
ولذا قال تعالى:
{لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ… عَسَىٰۤ أَن یَكُونُوا۟ خَیۡرࣰا مِّنۡهُمۡ}
فربما من تسخر منه اليوم، يكون عند الله خيرًا منك مقامًا وقلبًا وطاعة.
إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقلّ منك، عليك إنْ رأيت عيباً في دين أو خُلق أنْ تُقوِّمه وتُصلح من شأنه ما استطعت. وإذا كان العيبُ في الخَلْق، وفيما لا دخْلَ للمخلوق فيه فتأدَّبْ مع الخالق، ووالله لو علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: مَنْ به آفة - لتمنيتم جميعاً أنْ تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزَّع أسبابَ فضله على عباده، فإنْ أخذ من واحد منهم شيئاً فقد عوَّضه خيراً منه.
والسخرية والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان عَلا في شيء أمام إنسان نقص في هذا الشيء كأن يسخر الغنيُّ من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين من المعاق .. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق جميعاً، ألا وهو التقوى.
رابعًا: السخرية ليست خفة ظل!
بعض الناس يظنون أن السخرية ذكاء، أو أن إطلاق الألقاب طرافة…
لكن القرآن يقول:
{وَلَا تَنَابَزُوا بِٱلْأَلْقَابِۖ بِئْسَ ٱلِٱسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلْإِيمَانِ}
والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصاً بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتُوسع الفجوة بينك وبينه. حتى أن الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنباً ثم تاب منه إياك أنْ تُذكِّره به أو تُعيِّره به، لأن ذلك يُعدُّ قذفاً له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، كمن تاب عن الخمر ونقول له (يا خمورجي)، أو تاب عن القمار ونقول له (يا قمرتي) وهكذا.
فبعد أن كرّمك الله بالإيمان، أيليق بك أن تتدحرج في درك الفسوق باسم المزاح؟
ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم الأعرجُ قصده، فقال له: أتعيب الصَّنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم على سُوء أدبه معه، وقال: والله لوددتُ عندها أنْ أكون أنا مثله وهو مثلي.
والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة بين جميع خَلْقه، فالخَلْق جميعاً خَلْقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ابن الله، ولا مَنْ بينه وبين الله قرابة، فلِمَ إذن يسخر بعضنا من بعض؟
وقلنا: إنك لو نظرتَ في الوجود كله لوجدتَ فيه قضية عادلة، هي أن كل إنسان منَّا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أيِّ إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزَّع فضله على عباده لكن هذا أخذ 100% في العقل وهذا أخذ 100% في الصحة لكن المجموع في النهاية متساوٍ. ذلك لأن الله تعالى لا يريد نسخاً مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري.
خاتمة: كُن نقيًّا كما يحبك الله
إذا أردت أن تعرف طهارة قلبك، فانظر إلى لسانك.
فما اللسان إلا ترجمان القلب، وما الكلمة إلا رصاصة أو بلسم.
وإذا مررت بمجلس فسمعت لمزًا، فذكّرهم بهذه الآية:
{وَلَا تَلۡمِزُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ}، {وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ}
وإذا رأيت نفسك تهمز أو تلمز، فتب، فالله قال:
{وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ}
فكن ممن إذا ذُكر اسمه، قيل: هذا من قومٍ لا يلمزون… بل إذا سمعوا العيب ستروا، وإذا رأوا الخلل أصلحوا، وإذا فُتحت أبواب الغيبة أغلقوها بذكر الله.
______
خواطر محمد متولي الشعراوي - الحجرات 11
مفاتح الغيب، التفسير الكبير- الهمزة 1